تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

329

الأولى قبل الفعل والاستطاعة المبدئية، والثانية في حال الفعل وهو الاستطاعة المتجددة التي هي على حافة الإمكان والوقوع.

330

والحقيقة أن الاستطاعة واحدة قبل الأفعال ومعها وهي الاستطاعة الناشئة من تحمل الإنسان لرسالته ومسئوليته عنها. وهي موجودة دائما كإمكانية حتى ولو لم يوجب الفعل. ولا تغني مطلقا حتى ولو لم يتحقق أي فعل، بل تظل حتى بعد تحقق فعل واحد كي تتحقق بها أفعال أخرى. ليس الإنسان مجموعة متفرقة من الاستطاعات يتمكن بها من إتيان مجموعة أخرى متفرقة من الأفعال. الإنسان رسالة يعبر عنها بأفعال متصلة تكون حياته.

331

ويكون كمال الغاية تعبيرا عن رسالة الإنسان وازدهار الطبيعة وتحقيقا لوجوده إذا وضح الموقف وتوتر الشعور وإذا ما ابتعد الواقع إلى أقصى حد عن الموقف الطبيعي، وهو الموقف المثالي، وإذا ما اشتدت الرسالة في الإنسان إلى أقصى حد حتى الحلقوم. ليس الفعل لحظة واحدة بل هو وجود في الزمان. ولا يتم في مرحلة واحدة في آن واحد بل يتم في الروية، ويبدأ بوجود الباعث وضوح الفكر وكمال الغاية وغياب الموانع واختيار لحظة التاريخ طبقا لمسار التاريخ ودرجة تحمل الواقع. ليس الفعل إذن واقعة واحدة تتم في آن واحد، بل هو وجود مستمر في الزمان.

332

والأمر باق إلى حال الفعل، ولا يوجب التكرار، بل يظل نداء إلى الفعل وتوجيها له. وإن لم يوجد العمل يبقى النظر فعلا لم يتحقق وإمكانية لم تتحول بعد إلى واقع.

333

ولا يوجد أمر إلا إذا كان متحققا، ولا يكون الأمر متحققا إلا إذا آن الزمن واستعد الواقع لتقبله. ولو أتى الأمر قبل أن يحين الزمن لما تحقق ولكان تكليفا لما لا يطاق. ولو أتى الأمر بعد أوان الزمن لكان تخليا عن الواقع وتركه بين المد والجزر إلا من طبيعة خالصة توجهه. قد توجد في كمالها وقد لا توجد، ما دامت خالية من الفعل الإنساني.

334

إذا تم الفعل في زمانه وبغاية متحدة مع كمال الطبيعة ومسار التاريخ لا تنشأ الحركة الارتدادية ولا الحركة القافزة على المراحل. الفعل استطاعة وزمان وتاريخ. (3-6) التمرينات العقلية

والحقيقة أن معظم المشاكل حول القدرة الإلهية والقدرة الإنسانية هي في حقيقة الأمر تمرينات عقلية، القصد منها المزايدة في الإيمان وإثبات أولوية القدرة الإلهية على القدرة الإنسانية؛ مما أوجب الدفاع عن القدرة الإنسانية دون ما نفاق أو مزايدة. وكلها مشاكل موضوعة وضعا خاطئا ولا حل لها إلا بعد تصحيح وضع السؤال أو وضع السؤال الصحيح. حلها في المنهج لا في الموضوع. والسؤال الصحيح يأتي من الموقف الصحيح للمتكلم، هل هو إله أم إنسان؟ هل وظيفته الدفاع عن حق الله أم الدفاع عن حق الإنسان؟

335

وتظهر هذه التمرينات في عدة أسئلة مثل: (1)

هل يقدر الله على فعل المحال؟ وطبعا تكون الإجابة بنعم في المحالات الأربعة، المحال بالإضافة والمحال في الوجود والمحال في بنية العقل والمحال المطلق في ذات الله.

336

ولماذا تتوقف المزايدة؟ ألا يقدر الله أن يغير ذاته؟ وكيف يكون المحال في العقل وفي الطبيعة ممكنا؟ ألا يكون ذلك هدما لبنية العقل وقضاء على قوانين الطبيعة؟ كيف يثق الإنسان حينئذ بقدراته الفكرية وبعالمه الذي يعيش فيه لو أمكن تغيير قوانين العقل وانقلاب قوانين الطبيعة؟ هل إثبات القدرة الإلهية يكون بالضرورة على حساب استقلال العقل وثبات قوانين الطبيعة؟ وهل يرضى الله أن يكون إثبات قدرته على حساب الإنسان والعالم؟ أليس ذلك مزايدة في الإيمان أو تملقا للسلطة أو كلاهما معا؟ ولماذا يكون عقل الإنسان وعلمه وعالمه ومجتمعه هو الضحية؟ وفي سبيل من: الله أم السلطان؟ وهو السؤال التالي نفسه: هل يقدر الله على أن يجعل شيئا موجودا معدوما في وقت واحد أو جسما في مكانين أو جسمين في مكان واحد؟ ولما كانت الإجابة بنعم بطبيعة الحال كانت صورة الله أشبه بصورة الحاوي أو الساحر الذي يوهم الناس بأشياء في اليقظة أو في النوم. وكذلك السؤال حول قدرة الله على أن يمسخ الكافر قردا وكلبا، مجرد سؤال لإعطاء المزايد الفرصة للتعظيم والتأليه والإجابة المسبقة بنعم! (2)

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٦٩