وقد يتعدى السؤال إلى تعلق قدرة الله بأفعال العباد جميعا من الحيوانات والملائكة والجن والإنس، وإثبات قدرة الله المطلقة؛ فلا خالق ولا مخترع سواه، خاصة وأن قدرات العباد لا تعلم الخلق ولا تجد في حركاته وسكناته حتى تكون قادرة عليه. والحقيقة أن كل ما يحدث في الطبيعة، امتصاص الثدي من فعل الحي ونسج بيوت العنكبوت بأشكال هندسية لا يقدر عليها المهندسون، إنما يتم طبقا لقوانين الطبيعة.
346
ولا حل لذلك إلا الكسب، أي إثبات مقدور لقادرين؛ تجنبا للجبر الذي ينفي مقدورات العباد، وتجنبا لحرية الأفعال التي تنفي القدرة الإلهية. ولماذا يعطى الإنسان أقل من حقه بافتراض أن غيره قادر على ما هو قادر عليه، بل وأعظم منه يتدخل في شئونه ويسير له حياته؟ وكيف تصبح قدرة الله قادرة على أفعال العباد، وأفعال العباد بها من الشرور والآثام ما لا يعد ولا يحصى؟ هل الله قادر على فعل الزنا وشرب الخمر وقتل الأبرياء وظلم العباد؟
347
إن إثبات قدرة إنسانية هو إثبات لواقعة إنسانية وتجاوز لانفعالات عواطف التأليه. وقد يكون ذلك على نحو آخر إثباتا لتنزيه أعظم يقدر الحرية الإنسانية ويرد إليها اعتبارها. ليس المقصود من أمثال هذه الأسئلة المصالحة بين القدرتين كما هو الحال في نظرية الكسب بل المقصود تدمير الإنسان الواقعي وإثبات الإنسان «السوبرمان»، أي لله.
348 (4)
هل يقدر الله على أن يقدر أحدا على فعل الأجسام، الحياة أو الموت؟ ثم يخصص السؤال أكثر فأكثر ويتوجه نحو الطبيعة من جديد. وهنا لا تظهر القدرة المعظمة في فعل جنس الفعل أو ذات الفعل، بل داخل الفعل، فتوجهه وتقويه وتجعله قادرا على الخلق كالقدرة والعظمة. فإذا كان المقصود هو إتاحة الفرصة للشعور للتعبير عن عواطف التأليه، فما أسهل ذلك! أما إذا كان المقصود إثبات قدرة فاعلة ضد طبائع الأشياء، فالإنسان لا يميت ولا يحيي؛ فإنها تكون فرصة عظيمة تسمح بإثبات هذه القدرة. الإنسان بمفرده يسير طبقا لطبائع الأشياء، ولكنه بتدخل القدرة المعظمة يسيطر عليها ويقلبها رأسا على عقب، يحيي الميت ويميت الحي.
349
وفي هذه اللحظة يكون إثبات مثل هذه القدرة نفيا للحرية الإنسانية ولاستقلال الطبيعة، ويكون نفيها إما إثباتا للتنزيه؛ فإن تدخل القدر المعظمة في الفعل الإنساني لا يثبت تنزيها أعظم، وإما إثباتا للحرية واستقلال قوانين الطبيعة.
350
أما نفيها لأن الله أعجز الإنسان فهو رجوع إلى إثباتها ما دام الله قد أعجز الإنسان.
351
وقد يجمع بين الإثبات والنفي لا في الفعل الإنساني بل في التمييز بين الموضوعات.
352
وكما تسلب الصفات المطلقة الإنسان حريته وتحيله إلى أقل من إنسان لا فعل له ولا خيرة له من أمره. لم يكن الإنسان هو نفسه بل كان مرة أقل من إنسان ومرة أخرى أكثر من إنسان.
وبالرغم من كل محاولات الفكر العلمي الذي يقوم على طبائع الأشياء، والفكر الإنساني الذي يقوم على إثبات الحرية الإنسانية وفعل الأصلح، فإن القدرة المعظمة تفرض نفسها من خلال عواطف التأليه وتمثل شبح السلطة الرهيب. فكما أن العلم المطلق لا يغيب عنه شيء، فكذلك القدرة المطلقة لا يند عنها شيء. وإذا كان شبح العلم المطلق يظهر في الحياة الإنسانية في صورة المخابرات العامة، فإن القدرة المطلقة تظهر في صورة الدكتاتور الذي يفعل كل شيء والذي يمتد سلطانه على كل صغيرة وكبيرة.
353
ويكون الموقف الشعوري الذي يرفض الدخول في أمثال هذه التمرينات العقلية للتعبير عن عواطف التأليه، هو الموقف الذي يرفض النفي والإثبات والحلول الوسط، ويتوقف عن الحكم، ويلغي المشكلة التي يقدمها العقل طوعا للشعور.
354
وبالرغم من أن التوقف عن الحكم لا يعطي الأسباب خوفا من الدخول في المتاهات العقلية التي يرفضها، فإنه أسلم المواقف الشعورية وأكثرها أمانة. يكفي بعدها تحليل المتاهات العقلية وبيان دورها كتمرينات يقدمها العقل للشعور دون أن يشير إلى أي موضوع خارجي.