315
أما إذا كانت الاستطاعة هي التخلية، تخلية الشئون، فإنها في هذه الحالة لا تتعدى ارتفاع الموانع، أما إذا عنت بالتخلية مجرد تخلي أية إرادة خارجية عن التدخل في قدرة الإنسان وترك الإنسان القيام بالفعل فإنها تكون رجوعا إلى الكسب ولكن على نحو سلبي. فالكسب هو تدخل إرادة خارجية في قدرة الإنسان. وفي كلتا الحالتين يفترض التدخل والكسب أن الجبر هو الحال الدائم وأن الاختيار حال عارض ينشأ من الكسب بخلق قدرة على الفعل في لحظة القيام بالفعل أو في التخلي بتخلي الإرادة الخارجية المشخصة عن الجبر الدائم والسماح بحرية وقتية للإنسان للقيام بالفعل.
316
وقد تكون الاستطاعة مجموعة هذه العوامل كلها كالصحة وتخلية الشئون والمدة والآلة والباعث.
317
كذلك قد تتحدد الاستطاعة تحديدا شاملا فتكون كل ما ينال الفعل به. ومع أن هذا التحديد مأمون من الخطأ، إلا أنه لا يعطي هذه العوامل ولا يشير إلى أي شيء معين.
318
وقد تعرف الاستطاعة تعريفا معنويا خالصا دون الإشارة إلى أي محل مادي. حينئذ تكون الاستطاعة مجرد معنى. والمعنى المجرد لا وجود له. أما إذا كان المعنى هو الإشارة إلى الأساس النظري للفعل فإنه يكون معنى موجودا مؤثرا في الفعل.
319
وعلى الطرف المقابل للتعريف الصوري الخالص هناك التعريف المادي الصرف الذي يجعل من الاستطاعة مجرد الجسم أو أحد أبعاض الجسم أو نفس المستطيع.
320
وتقتضي حرية الأفعال أن تكون الاستطاعة قبل الفعل حتى يكون الفعل ممكنا بعد الاستطاعة، وحيث يتأتى الفعل بإرادة الإنسان الموجودة من قبل وبقراره الذي هو صنعه وبباعثه الذي يدفعه وبغايته التي يسير نحوها.
321
ولا يعني تقدم الاستطاعة على الفعل أن الفعل متحقق بالضرورة؛ إذ لا يتحقق الفعل إلا بتوافر شروط الفعل كلها. لا يوجب تقدم الاستطاعة على الفعل بالضرورة وإن كانت تمهد له إمكانياته.
322
وبالتالي تكون الإجابة على سؤال: هل الفعل واقع بالاستطاعة؟ كالآتي: إذا وجدت الاستطاعة وتوافر الباعث والداعي ووضح المقصد وكملت الغاية وامتنعت الموانع وقع الفعل. أما إذا توافرت الاستطاعة، ووجدت الموانع، فإن الاستطاعة تظل إمكانية خالصة دون تحقق. قد توجد الاستطاعة دون فعل إذا لم تتوافر شروط تحقيق الفعل.
323
كما لا يعني تقدم الاستطاعة على الفعل أن تكون الاستطاعة قادرة على فعل أي شيء ممكن أو غير ممكن ما دامت هناك استطاعة ؛ فالاستطاعة موجودة في حدود الطاقة الإنسانية، والفعل ممكن في حدود القدرة الإنسانية، موجها بالباعث والقصد والغاية.
324
ولا يعني تقدم الاستطاعة على الفعل تقدما مطلقا أي تقدما سابقا على وجود الإنسان؛ فقبل الإنسان لم تكن هناك استطاعة.
325
كما لا تعني الاستطاعة قبل الفعل أنها عرض؛ لأنها لا توجد في حالة إمكانية لم تستعمل بعد، بل إنها وجود كامن، وأن الإنسان هو الذي يحول هذا الكمون إلى واقع.
326
والأمر أيضا كالاستطاعة واقع قبل الفعل. وكيف يأتي أمر في التو واللحظة ويكون مضمون الوقوع؟ ومتى يتم التأمل والتدبر فيه حتى يمكن التخطيط له؟ ومتى يتحول الأمر إلى أساس نظري للفعل؟ ومتى يحلل ميدان الفعل طبقا للأمر المتوقع؟ قد يحدث ذلك في صدور الأمر لأول مرة حيث يتحقق إلى فعل مباشرة. ولكن بعد وجود الزمن قد يوجد في الزمن قبل وجود الفعل التالي، وهو ما تحقق في حال الأمر. وقد يتأخر الفعل لنقص في الفهم أو لضعف في الباعث، ومع ذلك يكون الأمر قائما.
327
والتقدم والمقارنة للاستطاعة والفعل لا يتمان على مستوى الفعل الطبيعي أو الفعل الآلي، بل في الفعل الحيوي أي في الفعل الاجتماعي.
328
ولهذا توجد علتان: علة قبل الفعل وعلة مصاحبة للفعل. الأولى هي الاستطاعة السابقة على الفعل والتي لأجلها صدر الأمر، والثانية الاستطاعة في حال الفعل التي بها يحقق الإنسان الفعل والتي بها يحول الإمكانية الأولى إلى واقع متحقق. العلة الأولى اختيارية خالصة، فالإمكانية موجودة لمن يحققها، والثانية اختيارية ناشئة عن شدة الباعث ووضوح الفكر.