تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

283

وكما تكون القدرة قدرة على المتماثلات فإنها تكون أيضا قدرة على المختلفات. ولا يعني الاختلاف هنا اختلافا في الباعث أو القصد أو الغاية، بل تباين عديد من البواعث والمقاصد والغايات وتفاوت درجاتها من حيث القيمة والشرف؛ فالقادر على منفعة فرد بعينه قادر على منفعة المجموع طبقا لمدى وقوة الباعث وكمال القصد.

284

وكما أن القدرة تأتي بالمتماثلات والمختلفات، فإنها تتعلق أيضا بالمتضادات. ولا يعني التضاد هنا أن الإنسان قادر على إتيان الشيء ونقيضه؛ لأن الغاية توجه السلوك نحو القصد. ورسالة الإنسان ذات خط واحد تعبر عن طبيعته ووجوده، بل تعين إثباتا للحرية لأنه لو لم يكن الإنسان قادرا على الشيء وضده لكان مجبرا على الشيء وغير قادر على سواه. إثبات القدرة على الضد ضرورة نظرية لإثبات الحرية، ثم تأتي الطبيعة فتقدر عمليا على فعل الشيء المحدد بالغاية.

285

وقد تكون القدرة على الضدين لاتحاد الباعث والغاية والقصد واختلاف الوضع. القدرة على حب الشعب المضطهد قدرة على كراهية الطاغية. والقدرة على حب العدل قدرة على كراهية الظلم. والقدرة على فعل الإيمان في واقع مبني على الإيمان قدرة على مقاومة الكفر في واقع يدعو إلى الكفر. فإذا كانت القدرة قدرة على شيء واحد لا على ضده يكون ذلك وصفا للفعل الموجه الذي لا يتغير ولا يتبدل ولا يتوقف والذي يعبر عن رسالة الإنسان وطبيعته ومقصده وغايته. إذا كان الموقف نابعا من طبيعة الإنسان فلا يستطيع الإنسان أن يغير طبيعته. أما إذا استوى الطرفان، فإن الدافع الأقوى هو الذي سيحدد أي الفعلين.

286

وقد يطرح السؤال بالنسبة للترك أيضا: هل ترك الشيء هو فعل ضده؟

287

والقول بأن القدرة على الشيء هي أيضا قدرة على تركه في حال حدوثه قول مبدئي خالص حتى تكون الحرية ممكنة نظريا. لو لم يكن الإنسان قادرا على الفعل والترك لما كان حرا. الترك هنا دليل على الحرية. والفعل بلا ترك قد يوقع في الجبر. وقد تكون القدرة على الامتناع عن الفعل أكثر تعبيرا عن الاستطاعة والحرية من القدرة على إتيان الفعل. القدرة هي قدرة على الفعل وعلى عدم الفعل. بل إن عدم ذاته نوع من الفعل لأنه إحجام عنه.

288

الترك هو فعل عن طريق الغياب كما أن التولد فعل عن طريق غياب الفعل المباشر. الترك قبل الفعل المباشر والتولد بعده. ليس المهم في الفعل والترك دراستهما على نحو ميتافيزيقي، هل الترك غير التارك وهي قضية الذات والصفات، أو على نحو طبيعي هل هما حركتان للإنسان في الفعل وعدم الفعل على حد سواء.

289

المهم دراستهما على نحو سلوكي إنساني خالص. كل فعل إقدام وإحجام. والإحجام أي عدم الفعل هو نوع من الفعل يتطلب جهدا وقدرة واستطاعة وباعثا وقصدا وروية ولكن من الناحية الفعلية، القدرة على شيء طبقا للباعث والغاية والقصد لا تكون قدرة على تركه. فالقادر على التضحية لا يقدر على النكوص، والقادر على خدمة الشعب لا يقدر على الإساءة إليه، والقادر على الجهاد لا يقدر على القعود وإلا ضعف الباعث وضاع القصد وعدمت الغاية. أما الذي لا باعث له ولا قصد ولا غاية فهو قادر على فعل الشيء وتركه. الترك هو مثل الضد أو نصفه. فما أن يحدث الفعل طبقا للغاية والقصد لا يمكن تركه أو تبديله لأنه أصبح تعبيرا عن وجود الإنسان وحياته. إن كان الترك ممكنا قبل الفعل كدليل على الحرية فإنه بعد الفعل يكون قد عبر عن طبيعة الإنسان وحقق غايته ومقصده.

290

وكما يسأل: هل الفعل فعل لفعلين؟ يسأل أيضا: هل الترك ترك لمتروكين؟ ولا إجابة إلا بتحليل تجربة بشرية؛ إذ يمكن للإنسان أن يمتنع عن فعلين في آن واحد.

291

وكما سئل من قبل: هل يفعل الإنسان ما لا يخطر بباله؟ كذلك يكون السؤال في الترك: هل يترك الإنسان ما لا يخطر بباله؟

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٦٥