تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

292

ولما كان شرط الفعل الروية والقصد، فكذلك شرط الترك. والترك فعل من أفعال القلوب أو الجوارح كما كان الفعل أيضا.

293

وكما يحتاج الفعل إلى إرادة يحتاج الترك أيضا؛ فالإرادة إما للفعل أو الترك.

294

وقد يتحول الفعل إلى ترك والترك إلى فعل إذا ما تغيرت البواعث والمقاصد.

295

وكما يثار في الفعل موضوع استمرار الفعل وبقائه في الفعل المتولد، كذلك الترك هل هو باق ومتولد؟ فطالما ذهب الباعث والقصد من الترك الأول يظل في الترك الثاني.

296

وقد يثار الموضوع نفسه على نحو آخر وبتعبيرات أخرى بدل الفعل والترك مثل الأمر والنهي، والإرادة والكراهة، والإثبات والنفي. وذلك في صيغة مثل: هل الإثبات نفي؟ ويتراوح التحليل بين التحليل للشيء المادي والتحليل للفعل الإنساني أو الجمع بينهما، مثل تحليل الأمر والنهي وكأنهما حركتان وليسا فعلين. ويرجع الخلاف في ذلك إلى إحالة الفعل الإنساني إلى بناء صوري عقلي أو الإبقاء على فرديته وخصوصيته، كما هو الحال في علم الأصول والتوتر فيه بين العقل والواقع.

297

ولما كان الفعل واقعا بالقدرة، فإنه يستحيل تكليف ما لا يطاق، سواء في أفعال الشعور الداخلية أو الخارجية، نظرا لمقارنة الإرادة بالمراد، والقدرة بالمقدور، ولأن تكليف ما لا يطاق قبيح ولا يجوز على الله فعل القبح.

298

ونظرا لأهمية القدرة بالنسبة إلى الحرية، وعلى نقيض الطاقة في عدم جواز التكليف بما لا يطاق أصبح العجز، وهو نقيض القدرة، أحد مباحث الحرية دون أن يكون كذلك في الجبر أو الكسب اللذين لا يتعلق المقدور فيهما بقدرة الإنسان، بل بقدرة خارجية لا ينتابها العجز بأي حال؛ إذ إنها قادرة على الإطلاق. العجز نقيض القدرة، وهو حالة طارئة على الإنسان تمنعه من ممارسة القدرة. الإنسان حي قادر مستطيع بنفسه لا بغيره، حتى تحدث به آفة وهو العجز. والعجز غير الإنسان. الإنسان من حيث المبدأ قادر على الفعل، وقدرته ذاته، في حين أنه عندما تعرض له آفة يكون الوهن غيره. لا يعني حدوث العجز أن الإنسان مستطيع بغيره، وأن الاستطاعة غيره، بل يعني أن الإنسان مستطيع بنفسه والعجز غيره. القدرة هي المبدأ، والعجز هو الاستثناء.

299

ولا يعني العجز أنه ضرورة ما دام حالة عارضة على القدرة، كما لا يفيد أي جبر من البدن أو من العالم الخارجي.

300

العجز حالة للإنسان القادر الممنوع من إتيان الفعل، هو حال العاجز.

301

وقد يكون العجز منعا من الفعل إما لقيد وحبس وذلك لزيادة قوة القيد أو لعارض أو لفقد الآلة.

302

العاجز عن شيء قادر على أشياء أخرى. يتعين العجز في فعل، لا في كل الأفعال. وما دام العجز حالة طارئة في وقت معين لفعل معين لوجود مانع معين، فإنه إذا ما تغيرت الحالة والوقت ونوع الفعل ظهرت القدرة من جديد.

303

العجز الوحيد الدائم هو العجز الذي يستمر لغياب الوعي والهدف والقصد. ولما كان الإنسان رسالته فإن الإنسان نفسه يكف عن الوجود والحياة. الموانع البدنية عارضة كالقيد والحياة العضوية.

304

ولا يعني توقفها نهاية القدرة واستمرار العجز لأن الإنسان يكون مؤثرا بعد حياته بعمله وسنته وأفكاره وآثاره وسيرته وقدوته ومثله وغاياته ونموذجه. العجز الدائم ليس توقف الحياة بل توقف الوعي؛ فالحياة هي حياة الشعور.

305

إن أفعال الإنسان سواء كانت أفعال القلوب أم أفعال الجوارح لا تتوقف بعد الموت؛ فالذين يقومون بتحرير شعوبهم أو تأسيس نظم يتحرر فيها الناس باقون. أفعال الإنسان ممتدة إلى ما بعد حياته الظاهرة، وكذلك أفعال القلوب كالعلم. إن ما يترك وراءه علما يظل هذا العلم ساريا، مقروءا ومؤثرا وموجها وأصلا للإبداع.

306

لذلك قد تكون في الإنسان قدرة ولا يقال قادر لأن القدرة غير ظاهرة، في حالة من الإمكانية لوجود موانع أمامها بدنية أم اجتماعية، داخلية أم خارجية.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٦٦