273
وإذا وجدت قدرة بلا حياة كما هو الحال في التولد، فإن ذلك لا يعني غياب الحياة على الإطلاق، بل وجود الحياة أولا ثم صدور القدرة منها ثم استمرار القدرة كدليل على الحياة؛ لذلك كانت الحياة شرط العلم والقدرة في الصفات. وتزيد القدرة وتنقص، تشتد وتضعف شأنها شأن ظواهر الحياة. وتتحدد الزيادة والنقصان بتوافر وجود عوامل الفعل على الوجه الأكمل: شدة الباعث، وضوح الرؤية، كمال الغاية، طبيعة الموانع ... إلخ.
274
وهذا لا يعني أنها عرض لأنها تتغير، بل القدرة جوهر؛ لأن الإنسان بلا قدرة يتحول إلى جماد لا يؤثر بل يقع عليه التأثير. ولماذا يكون الجوهر بالضرورة هو الجماد الذي لا يتغير ؟ لذلك آثر البعض جعلها جوهرا مستقلا توجد أو لا توجد دون أن تتراوح بين الشدة والضعف. وإذا كانت القدرة هي الوجود فإنها تكون أقرب إلى الجوهر؛ فالوجود جوهر.
وتعلق القدرة بالوجود تعلق الفاعل بميدان الفعل؛ فالقدرة تفعل في العالم، وهذا هو تعلقها به ودون أن تكون مصدره. سؤال النشأة سؤال مادي خالص، والقدرة لا تبغي إلا التأثير في الواقع لا البحث عن نشأته المادية. وعدم تعلق القدرة بالوجود المادي هو أنه تعلق خاطئ وإغفال لغاية القدرة وفعلها لا حرصا على تنزيه قدرة أخرى من التعلق بالموجود أو حرصا على الإبقاء على النشأة من عدم. لا يحتاج وصف الكمال إلى تشبيه بقدرة الإنسان وإن كان ما يحدث بالفعل هو التشبيه، إعطاء الكمال صفات الكمال الإنساني ونفي مظاهر النقص عنه.
275
ليس الفعل مجرد وجود شيء بعد أن لم يكن؛ فهذا وصف للفعل على مستوى الوجود بعد إسقاط الفعل ذاته، وبإسقاط الفعل يسقط الفاعل. لا يوجد الوجود بلا فاعل. ولا يعدم العدم بلا فاعل. وإذا حدث تغيير في الوجود فذلك يعني وجود فاعل وغاية وقصد بالإضافة إلى القدرة والأثر.
276
تثبت القدرة بإثبات الفعل، ويثبت الإنسان قادرا بإثباته فاعلا على أن يتحقق الفعل بشروطه: الروية والقصد والباعث. فقد يحدث الفعل بلا روية أو قصد أو باعث ولا يثبت أية قدرة إلا بقدرة عقلية عمياء هوجاء. ولا يثبت الفعل بإثبات القدرة وحدها بدليل التولد وهو فعل بدون قدرة.
277
قد توجد قدرة دون فعل، وهي القدرة السابقة على الفعل قبل إتيانه انتظارا لتحقيقه، أما إذا وجدت الموانع فإن القدرة في هذه الحالة لا توجب الفعل لوجوب الموانع.
278
والفعل هو الفعل الموضوعي، والقدرة هي القدرة الموضوعية. فالفعل والقدرة هما اللذان يوجدان عند الآخرين.
279
والقدرة حادثة قادرة على الإيجاد. والدليل على ذلك التجارب الحية عند الإنسان؛ إحساسه بوقوع الأفعال حسب الدواعي والصوارف، يشعر الإنسان بذلك في نفسه ضرورة. وجحد الضرورة جحد للدواعي وللصوارف. كما أن المقدرة الحادثة مناط التكليف، وهو بدوره مناط الثواب والعقاب.
280
والقدرة من جنس واحد ، تظهر في محال مختلفة لأن الباعث واحد، والغاية واحدة؛ فالقادر على نصرة المظلوم في جماعة قادر عليه في كل جماعة، والقادر على قول كلمة حق في وجه حاكم جائر قادر عليه في أية جماعة وفي أية لحظة بشرط ارتفاع الموانع.
281
ويمكن للقدرة الواحدة أن تحدث عديدات من المقدورات؛ فالقادر على التضحية يمكن أن يضحي بنفسه في سبيل عديد من الأفراد والجماعات. ولكن هذه المقدورات جميعها تهدف إلى غاية واحدة.
282
ويمكن أن تأتي القدرة بعديد من الأفعال المتماثلة دون أن تتحول هذه الأفعال إلى تكرار آلي، وذلك لحيوية الباعث، وشوق الفاعل إلى الفعل والاستمرار في الفعل تعبيرا عن كمال طبيعته. ولا يعني ذلك أن جزءا من القدرة يأتي جزءا من الفعل تعبيرا عن كمال طبيعته. ولا يعني ذلك أن جزءا من القدرة يأتي من الفعل لأن القدرة لا تتجزأ كما وكذلك المقدور. تتفاوت القدرة شدة وضعفا، طبقا لشدة الباعث وضعفه، والمقدور طبقا لوجود الموانع أو عدمها.