تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

266

وهنا ينشأ السؤال الثاني: هل يحس الإنسان ما لا قدرة فيه؟ هناك أيضا حالتان: الأولى واعية تعبر عن وجود الإنسان؛ فالوجود محل الإحساس، ولا يمكن الإحساس بشيء غير موجود. الإحساس بالقدرة الموجودة ممكن، ولا يمكن للإنسان أن يشعر بقدرة غير موجودة. ولكن هناك حالة أخرى لا يشعر الإنسان فيها بقدرته الموجودة، حالة صاحب الحق المهضوم الذي يمكنه بالتنظيم والمقاومة الحصول على قدرة تجعله ينال حقه. فهو إمكانية غير مستغلة، وأغلبية شعب مهضوم الحق قوة كامنة لا تشعر بها الأغلبية، ولا توجد بالفعل إلا بالتنظيم، فهذه قدرة لا يشعر بها أحد.

267

وهناك حالات أخرى تكون القدرة موجودة ولكن ينقصها الباعث. فالناكص على عقبيه يشعر بأن لديه قدرة ولكنه لا يريد استعمالها؛ لعدم توافر الباعث. والعاجز المستجيب لنداء الجهاد يشعر بألم النكوص مع أن القدرة غير متوافرة لديه لوجود المانع، وكذلك السجين. هذه القدرة المفاجئة غير المتوقعة الناتجة من صحة الهدف وقوة الباعث هي ما يسمى بالتوفيق والسداد والفضل والنعمة والإحسان واللطف. وهي قوة نابعة من الإنسان، ولا تعطى من خارجه بفعل إرادة خارجية لو فعلت حمدت ولو لم تفعل ذمت.

268

القدرة هي مجرد التعبير عن طاقة الإنسان وقدرته على الفعل. فإذا كانت الإرادة هي فعل الروح في البدن فإن القدرة هي فعل الإنسان من حيث وجود اجتماعي. وتكون الاستطاعة فيما بعد هي القدرة اللازمة لفعل معين في لحظة معينة وفي مكان بعينه.

269

لذلك يجوز أن توجد في الإنسان قوة ولا يقال هو قوي؛ لأن القوة ليست موضوعا مجردا يثبت أو ينفي، بل إمكانية تحقق في موقف. فالقوة في موقف لا تتوافر فيه الشروط أو بوجود موانع أقوى لا تكون مؤثرة. قد توجد قوة نظرية ولكنها غائبة عمليا وليس الأمر دراسة تحليلية كمية لأجزاء القوة ونسبها.

270 (3-4) القدرة

ظهرت الحرية الإنسانية من قبل في بطن القدرة الإلهية في الصفات الثلاث: العلم والقدرة والحياة. وكان إثبات صفة القدرة يؤدي إلى إلغاء الحرية الإنسانية، كما أن إثبات الحرية الإنسانية يؤدي إلى إلغاء القدرة. ظهرت الحرية الإنسانية في مقابل القدرة الإلهية تعلن عن وجودها وتثبت حقها في الفعل الإنساني وإن لم يكن الحق كله. ولم يكن ذلك حجرا على الله بل كان إطلاقا لحرية الإنسان. فالموقف الإنساني يحتم علينا الدفاع عن حرية الإنسان؛ فهي المهددة من كل جانب، وليس الدفاع عن حرية الله؛ فهي المصونة فوق كل اعتبار.

271

القدرة أمر واقع يجده الإنسان من نفسه. وهي ليست موجودة طول الوقت، بل تظهر بوجود الباعث والغاية والفكرة الموجهة.

272

ليست القدرة القوة البدنية وحدها بل القدرة التي تعبر عن الوجود الإنساني كله؛ هي القدرة على إحداث الفعل الاجتماعي وليست مجرد القدرة على تحريك الأعضاء. وكما أن القدرة ليست قوة بدنية، فإنها أيضا ليست ملكة نفسية أو حاسة، بل تعبير عن طبيعة الإنسان ودعوته في الحياة. هي تعبير عن الوجود والطبيعة أكثر منها تعبيرا عن قوة الفعل وملكات النفس. القدرة هي الحياة، والحياة هي القدرة. لا تأتي القدرة إلا من حي، والحي لا يكون إلا قادرا، ليست الحياة هي الحياة العضوية؛ لأن القدرة ليست هي القوة العضلية بل الحياة الفعلية، حياة الخلق والجهد والمقاومة. ليست الحياة هي مجرد الحياة الوظيفية كالتغذي والنمو والتوليد والإحساس والحركة بل هي حياة الوعي والشعور. فإن قيل: هل يكون الإنسان حيا مع قدرته؟ قيل: لو كانت الحياة هي الحياة الوظيفية لجاز أن توجد مع عدم القدرة. أما لو كانت الحياة حياة الشعور والوعي والفعل والجهد والغاية، فإنه لا توجد حياة بلا قدرة، بل تكون الحياة هي القدرة، والقدرة هي الحياة. فلا حياة لعاجز ولا عجز لحي. ولا يعني استقلال الجواهر هذا الوجود المنفعل، بل يعني عدم ازدهار الجواهر.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٦٣