258
ولكن في حال الإيجاب هل يقدر الإنسان على فعل المراد؟ هذا سؤال صوري خالص لأنه إذا ما توفرت الدواعي والبواعث والمقاصد وامحت الموانع وتوافرت الشروط، فليس هناك ما يدعو إلى أن تأتي الإرادة بغير المراد وإلا كان عبثا وتحولا فجائيا لا مبرر له. وليس الأمر مجرد حركة وسكون واختبار عقلي بل هو فعل إنساني مصيري.
259
والفعل الحر هو الفعل المروي المقصود. وتختلف درجات الفعل طبقا للقصد والروية. الفعل البدني الخالص كالفعل الشرطي ليس فعلا قصديا؛ ومن ثم ليس فعلا حرا لأنه يفتقد الروية والقصد. وأفعال الساهي والنائم، وإن كانت أفعالا لا إرادية إلا أنها أفعال غير شعورية يغيب منها القصد والروية، ومن ثم فهي ليست نموذجا للفعل الحر. وإذا تم فعل شعوري ولكن عن إكراه وإلجاء فإنه لا يكون أيضا فعلا حرا لأن الفعل الحر هو الفعل الشعوري القائم على قصد وروية واختيار.
260
ولما كانت أفعال السهو والنسيان والنوم ليست أفعالا حرة لا يتوافر فيها القصد والباعث، فلذلك أفعال الاضطرار والإلجاء ليست أفعالا حرة لوجود موانع الاضطرار، قيد بدني لعضو أو تكبيل الإنسان وسجنه أو وضع السيف على رقبته.
261
لا يتحقق الفعل المروي بطريقة آلية بلا وعي أو قصد لأمر وطاعة عمياء وإلا تحول البشر إلى مجرد آلات تسيرها الأوامر. والقصد سابق على الفعل حتى يتم التدبير وتحصل الروية. ولكن قد يحدث في حال الفعل أن يحقق الإنسان فعلا آخر بقصد متجدد كما هو الحال في الفعل الفجائي، ولكنه فعل عارض وليس هو الفعل الأول.
262
ليس الفعل الحر فعلا عفويا بل هو الفعل القصدي، وبالقصد الأول. قد يأتي الإنسان بفعل لا يقصده فلا يكون فعلا، والقصد هو غاية الفعل عندما يتمثلها الشعور. ليس القصد متعاليا بل هو تغيير للواقع وتطوير للطبيعة كي تصل إلى كمالها. والطاعة التي لا يراد بها الله ضد الأعمال بالنيات.
263
وهذا لا ينفي حسن الطوية والمشاعر الإنسانية الطبيعية. ولو كان الفعل قائما على القصد مع خلاف في فهم القصد فإن الفعل يكون فعلا حرا. فسواء تم الفعل لذات الفعل أو تحقيقا لرسالة الذات وتعبيرا عن طبيعتها أو تغييرا للواقع أو دفاعا عن حقوق البشر ودفاعا عن الإنسانية، فالقصد واحد ولكن يختلف فهمه. والمؤله المشخص كما ظهر في التوحيد مجموع الغايات والمقاصد التي يهدف الإنسان إلى تحقيقها، ولكنه لا يحققها بالفعل، إما لعجزه أو لكسله ونفاقه؛ فيشخصها ويتصورها متحققة في عالم آخر خارج هذا العالم ويقف أمامها موقف المتعبد المعجب الولهان، الباكي الشكيان. أما إذا تحققت هذه الغايات بالفعل، وكانت الغايات مقاصده، فإن الفعل يكون حرا يتوافر فيه القصد والروية وإن لم يكن طاعة للمؤله المشخص، بل كان تحقيقا للغايات الإنسانية العامة. وهما في الحقيقة الشيء نفسه ولكن على نحوين مختلفين؛ الأول رمزي تشخيصي أسطوري، والثاني عملي علمي. صورتان مختلفتان ومضمون واحد، لغتان متباينتان وشيء واحد.
264
والنظر جزء من الروية؛ لأن الروية قصد ونظر. وإعمال الفكر والنظر والبحث عن الحقيقة وتأسيس العلم، كل ذلك بنفسه فعل، حتى وإن لم يحقق غاية. النظر مقدمة للفعل وشرط له. هو الفعل الممكن قبل الفعل المتحقق.
265
وهنا يبرز سؤال: هل الإنسان قادر على ما لا يخطر بباله؟ فهناك فعلان: الأول: الفعل المروي المختار القائم على أساس عقلي واضح وهو الفعل الأمثل. والثاني: أنه قد يحدث في ساعة تحقيق هذا الفعل أو في ساعة أخرى أن تحدث قوى غير متوقعة لشدة تمثله للباعث أو لضعف الباعث عند الفعل المعارض، أو يطرأ على ذهن الفاعل فجأة أساس فعل مستقى من الموقف فيقع فعل ولم يتأمله من قبل. هذا الحادث غير المتوقع دليل على الحرية وعلى أن الإنسان مجموعة من الإمكانيات، خاصة إذا كان متميزا بشعور يقظ، متمثلا صحة الهدف وواعيا بإمكانية تحقيقه في هذه اللحظة التاريخية.