243 (4)
التمييز بين الحسن والقبيح، بين الإحسان والإساءة، بين المدح والذم يدل على أن الإنسان له قدرة على الحكم ومن ثم على الاختيار. لو كان الإنسان مجبرا لما لزمت هذه القدرة. وفيم التمييز والفعل واقع لا محالة دون حاجة إلى تدبر ووعي وإحكام نظر؟ هذا هو حكم العقل، والعقل لا يشوه نفسه لعلمه بحسن الأفعال وقبحها إن لم يكن في الشرعيات، فعلى الأقل في العقليات.
244
فتمييز الإنسان بين الحسن والقبح إثبات للحرية واختيار لأحدهما دون الآخر. يثبت العقل الحرية كما تثبت الحرية العقل إذا كانت حرية عاقلة قائمة على التمييز. (5)
ولا يعقل تكليف بلا قدرة أو أمر بلا إرادة.
245
يدل حسن الأمر والنهي وغيرهما من الأحكام على أن الإنسان قادر على الفعل وعلى أن يكون فعله موضوعا للحكم.
246
وما دام الإنسان مطالبا بالطاعة فإن الفعل ممكن، وما دام الفعل ممكنا فإن الإنسان حر.
247
والأمر هو خطاب لآخر، ولا يكون هناك أمر للنفس بل للآخر. وما دام الآخر موجها بالخطاب فهو قادر على الفعل.
248
والأوامر معللة بعلل، ولا توجد أوامر بلا علل. والقدرة علة الفعل. فلا يمكن إنكار التعليل في الأحكام؛ لأن الأحكام قائمة على التعليل. كما لا يمكن القول بأن هناك علة واحدة لكل شيء هي سبب كل الأفعال، فذلك انفعال وليس تفكيرا، إيمان وليس عقلا، تمن وليس واقعا.
249 (6)
وإثبات الحرية أدعى إلى إثبات العدل ونفي الظلم في عواطف التأليه. لو لم يكن الإنسان صاحب أفعاله، وكان في الوقت نفسه مكلفا محاسبا لكان واقعا تحت ظلم وجور. الحرية إذن هي المؤدية إلى العدالة في الكون ونفي صفات الظلم والجور عن صفات الكمال؛ لذلك كانت الحرية المبحث الرئيسي في مباحث العدل.
250
كما أن إثبات الحرية أدعى إلى إثبات عواطف الكمال والإجلال والتعظيم من نفيها. في الحرية يكون الإنسان صاحب فعله، مسئولا عما يأتي به من قبح أو شر. فلو كان فعله مخلوقا لكان الخالق هو المسئول عن هذا القبح أو ذاك الشر. وكيف يكون الكمال مسئولا عن النقص؟ وكيف يصدر النقص عن الكمال؟ إن مدح المؤمن على الإيمان، وذم الكافر على الكفر، ووعد الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية يدل على أن الإنسان صاحب فعله ومسئول عنه. فلا حكم دون استحقاق.
251
وما دام هناك حساب وعقاب، فلا حساب ولا عقاب بلا حرية أو مسئولية.
252 (3-3) الإرادة
إذا ثبتت الحرية يظهر الفعل الإنساني ومكوناته، الإرادة أو الاختيار، الروية، القدرة، الاستطاعة، الزمان، التولد ... إلخ، وكلها تقوم على تحليل الفعل الإنساني تحليلا موضوعيا إنسانيا بلا أفكار مسبقة ودون فكر إلهي مقلوب. فالإرادة في الفعل الإنساني إرادة اختيار وذلك بفعل الروح؛ فالروح هي الباعث على الاختيار، ولولا أن الروح في بدن لكان الإنسان كله اختيارا ولكن البدن تحديدا له.
253
الإرادة اختيار ولكنها ليست مختارة لأنها لا تختار نفسها. الإيثار هو الاختيار والإرادة. والمراد لا يكون إيثارا ولا اختيارا؛ لأنه تعبير عن طبيعة.
254
الإرادة تعبير عن الذاتية الخالصة والتي لا تكون موضوعا لنفسها. والإرادة هي الباعث على الفعل، أي إنها ليست قوة منفصلة تزيد على الباعث بل هي الباعث نفسه في حالة التوتر والانفعال. الإرادة إرادة الحياة أو إرادة القوة أو إرادة النصر لا تزدوج ولا تتزاوج.
255
ولما كانت الإرادة هي الباعث، والباعث هو النفس، ومن ثم لا تدعو النفس إلى الإرادة ولا يدعو إليها الخاطر لأنها تعبير عما بالنفس ولا تنتظر الدعوة.
256
والإرادة هي الضمير لأن الفعل يتضمن في باطنه قيمة وحكما خلقيا. ولا يهم تعيين محل للضمير في النفس أو في الإرادة أو في الروح؛ فالضمير ليس في محل.
257
الإرادة خلقية، والفعل خلقي. فإن كانت الأخلاقية هنا تبدأ من الداخل إلا أنها تنتشر إلى الخارج، وإن كانت تبدو فردية إلا أنها جماعية. فإن قيل: هل الإرادة موجبة لمرادها أم أنها ليست كذلك؟ قيل: من حيث المبدأ الإرادة موجبة لمرادها. ولكن المراد موجود في مواقف وبه موانع، وله شروط، وهذا هو تحدي الإرادة.