تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التفرقة بين الحركة الاضطرارية والحركة الاختيارية. وهي تفرقة تثبت الحرية بناء على الحركة الاختيارية، كما أخذ الجبر والكسب نفس التفرقة لنفي الحرية بناء على الحركة الاضطرارية.

232

والحقيقة أن وجود الحركة الاضطرارية لا ينفي الحرية؛ فالحريات لحظات أفعال وليست حرية طول الوقت. هناك أفعال تتم بالبدن وبالمران وبالعادة وبالتقليد، هناك أفعال أخرى، أفعال الرؤية والعزم، هي أفعال حرة. بل إن حركة الارتعاش قد تكون انعكاسية عضوية صرفة، لا تثبت جبرا أو كسبا ولا تنفي حرية. وكثيرا ما تتجاوز الأفعال الحرة أفعال الجوارح إلى أفعال القلوب أو أفعال الشعور التي هي من أساس الأفعال الإرادية التي تبدو في آخر مراحلها كأفعال للبدن. (2)

وجود الباعث أو القصد هو أكبر دليل على أن الإنسان صاحب أفعاله؛ فالفعل تابع للقصد والداعي. ولا يعقل وجود الباعث أو القصد أو الداعي ثم يكون الفعل من فعل غيره، وإلا ففيم كان هذا القصد وذلك الداعي؟ إن كل الأفعال المقدورة هي الأفعال القصدية، والأفعال غير المقدورة هي كذلك لأنها ليست قصدية. لا يعني أنها غير مقدورة للإنسان أنها مقدورة لإرادة خارجية مشخصة؛ فذاك افتراض محض. بل إن قدرة الآلة على ما يقدر عليه الإنسان وإن كانت قدرة فعلية إلا أنها ليست فعلا لأنه لا يتوافر فيها القصد إلا من خلال الإنسان الذي صنع الآلة لهذه الغاية، وأفعال الآلة ذاتها خالية من القصد.

233

ولا يقال إنه حتى لو حدثت الأفعال طبقا للباعث والداعي والقصد، فإنها تحدث طبقا لمجرى العادات، لأن مجرى العادات يثبت أن الإنسان صاحب الفعل. وليس معنى اطراد الحرية أنها أصبحت من فعل العادة وأن الأفعال تتحقق بطريقة آلية حسب مجرى الأمور؛ لأن الحرية أحيانا تخرق سير العادات وتبطلها إذا ما تحولت العادة إلى ضغط وقهر، أي إذا ما تحولت ضد الحرية. يثبت الشاهد تعلق الفعل بالإنسان، وهذا هو حكم العادة.

234

ولا يقال إن في الفعل الحر تتدخل إرادة خارجية مع الباعث والقصد والداعي تجعله ممكنا لأنها ليست واقعة في الشاهد، ولم تطرأ به العادات.

235

ولا يقال إن فعل الساهي ليس فعلا حرا لأنه ليس به شرط الفعل وهو الوعي والروية؛ فهذا هو العكس لا الطرد. الفعل الحر هو الفعل الإرادي المروي لا الفعل اللاإرادي.

236

وجهة تعلق الفعل بالإنسان هي جهة الحدوث. وليس أدل على ذلك من تجارب الإنسان نفسه ومشاهداته لأحواله؛ فالإنسان صاحب فعله يحدث أفعاله.

237

ولا يجوز أن تكون جهة النطق هي الحلول؛ لأن هناك فرقا بين الأشياء والأفعال. حلول الألوان في الأشياء جائز، أما الحلول في الأفعال فإنه لا يجوز؛ الأفعال صادرة عن البواعث والقصود والدواعي.

238

وإضافة فعل الإنسان إليه نفي لأن يكون الإنسان صاحب فعله. ولا يعقل أن يضيف الإنسان إليه ما ليس له إلا زهوا وفخرا أو احتيالا ونصبا، وهذا أيضا واقع ولكنه ليس عاما.

239

واعتراف الإنسان بأفعاله يدل على أنه صاحبها، خاصة ولو كان اعترافا بأفعال يخجل منها ويدينها.

240

ولما كانت أفعال الإنسان قد تحدث وقد لا تحدث، قد تنجح وتفشل، قد تصيب وتخيب، فإنه لا يمكن إضافتها إلا في الإنسان نفسه، لا يمكن إضافتها إلى أي كمال وإلا كان كمالا ناقصا.

241 (3)

وما دامت الأفعال واقعة بالقصود والدواعي، فإنها تكون صادرة عنها لا طبقا لإرادة مسبقة على البواعث أو لاحقة عليها، وهذا لا يمنع من الاستبصار في السلوك والتنبؤ بما يقع في المستقبل وإحصاء تجارب الماضي ومعرفة مصير الحوادث وكيفية وقوعها. ولكن كل تنبؤ نسبي لأنه يتوقف على درجة العلم إما بتجارب الماضي أو بالقدرة على الاستخلاص والتفسير والفهم للحاضر.

242

وإثبات الحرية ينفي أية شبهة للقضاء والقدر أو الجبر، أو أي قدر مسبق، بل يعني القضاء إتمام الفعل والفراغ منه أو الإلزام الذاتي أو الإخبار والإعلام.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٦٠