تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

223

الفعل الإنساني قائم مستقل، لا يقدر أحد على القضاء عليه. ومن يشكك في حرية الإنسان يصل إلى حد الكفر. وكلما كان الرفض جذريا كان إثبات الحرية أساسيا. وكلما رغب الإنسان السلوك الأمثل ازدهرت الحرية حتى تصبح حرية خالصة تبحث عن الكمال الخالص ويصبح كل سلوك نسبي قائم على تقدير نسبي للأمر الواقع أقرب إلى الجبر الناشئ من ثقل وتقلص في تمثل الكمال.

224

حتى المعارضة السرية تثبت الحرية إثباتا لحق الإنسان في الرفض، ومنها اشتق اسم «الرافضة». الحرية هي سبب الرفض، والرفض فعل من أفعال الحرية. يعني الرفض أن الإنسان قادر على التمييز والحكم والفهم الصحيح والقدرة على رفض السلوك الذي لا يطابق هذا الفهم؛ ومن ثم ينشأ سلوك غيره حين يتحول السلوك الأول القائم على التقليد إلى جبر بفعل الطاعة.

225

بل إن بعض الأتقياء من دعاة الأمر الواقع واستتباب النظام والرضا بالقضاء والقدر تثبت الحرية نظريا على مضض، ولكن الوقت عصيب، والظرف غير ملائم، والزمان غادر، ومن ثم يعلنونها سرا بالرغم من رفضهم الخروج والاعتزال والرفض واستسلامهم للأمر الواقع وطاعتهم للنظام المستتب. تثبت الحرية إذن في السلوك البسيط كما تقوم به عامة الناس دون إصدار حكم صريح على الأفعال. فالحرية تثبت عند الأقوياء وعند الضعفاء على حد سواء.

226

والذين أحق بتسميتهم بالقدرية ليسوا هم أنصار الحرية بل أنصار الجبر؛ إذ تثبت التسمية من إثبات الشيء أولى من ثبوتها من نفيه، كما تثبت حين يتكرر اللفظ باستمرار عند من يثبته لا عند من لا يذكره أو ينكره.

227

وذم القدرية واقع لمن يثبت القدر وينكر الحرية لا لمن ينفي القدر ويثبت الحرية. القدر مذهب مذموم لأنه كمذهب المجوس يلحق الشر والظلم وكل مظاهر النقص بالكمال.

228

وقد يكون كل ما روي في ذم القدرية بهذه التسمية التي لا تصدق على المسمى بعد أن لقب أنصار الحرية بالقدرية؛ عملا سياسيا خالصا باستعمال سلاح الألقاب حتى تخمد مقاومة السلطان، وحتى يقتنع الجمهور بأن الحال الحاضر من فعل الله وبقضائه وقدره.

229

فالمعتزلة لا يعبثون بالشرائع باسم قضاء الله وقدره، ولا يقولون بصدور القبح والشر عن الله، ولا بجواز تكليف ما لا يطاق، ولا بالجبر في أفعال الشعور الداخلية، ولا بالقضاء والقدر والاحتجاج به على المعاصي، ولا بتأييد حجج إبليس في الغواية، ولا بالكلام في القدر. يفصلون بين القدر والقدرة، ويقولون بالاختيار وبتنزيه الله عن القبائح وبجعل المعرفة شرطا للفعل الحر. ترى النبوة ممكنة، وتضع الدواعي والمقاصد وراء الأفعال، وتضع قانون الاستحقاق. (3-2) إثبات الحرية

في الحقيقة لا تحتاج الحرية إلى إثبات؛ فهي أمر بديهي يشهد به الحدس والوجدان، ويفضل الإنسان أن يضحي بحياته في سبيل أن يكون حرا هو أو شعبه. وهو ما حاولت بعض الحركات الإصلاحية الحديثة إبرازه.

230

فإن قيل: إذا كانت الحرية موجودة يقينا وبداهة، فلم إثباتها؟ قيل هناك من ينفيها ويثبت عقيدة الجبر أو نظرية الكسب. فحجج إثباتها هي في الحقيقة حجج مضادة تجاه خصومها. حجج جدلية لتفنيد حجج الخصم وليست حججا برهانية لإثبات موضوع ليس في حاجة إلى إثبات. فإن قيل: كيف ينظر في شيء ابتداء وهو غير يقيني؟ قيل: ينظر فيه حتى يتحول إلى يقين. وهذا هو طريق العلم والبرهان. فإن قيل: إن إثبات الحرية يؤدي إلى إثبات فعل حر، ولكن المطلوب هو الفعل الحر المتجدد قيل: الوجود المتجدد للفعل الحر حاصل بالتولد دون أن يؤدي التجدد إلى إنكار للحرية أساسا كما هو الحال في نظرية الكسب.

231

ومع ذلك، فنظرا لوجود الاشتباهات التي أثارها الجبر والكسب، يمكن إثبات حرية الأفعال بصياغة براهين عقلية على الطراز القديم ضد الجبر والكسب ودفاعا عن الحرية. وقد تكون بعض الحجج بينها مشتركة يتم تأويلها مرة لحساب الجبر أو الكسب ثم يعاد تأويلها لتفنيدهما ولإثبات الحرية. منها: (1)

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٥٩