الحرية ليست مقولة طبيعية، بل تعبير إنساني خالص. وإذا كان هناك جبر في الطبيعة سواء في الطبيعة الحية أو في الطبيعة الصامتة، فإن الإنسان هو ميدان الحرية. وقد يتجاوز الفعل الإنساني الحر القادر جبر الطبيعة ويخضع الطبيعة له ويسخر قوانينها لصالحه ويعدل مسارها طبقا لغاياته. ويبدو أن الحرية الإنسانية تتضمن الحتمية في الطبيعة، في حين أن الجبر يكون في أفعال البشر وحدها بفعل القضاء والقدر، ويترك أفعال الطبيعة حرة بخرق قوانينها الثابتة وسننها المطردة بفعل تدخل الإرادة الخارجية. ويؤكد ذلك معظم حركات الإصلاح إذا بعثت حرية الأفعال في الإنسان ظهرت الحتمية في قوانين الطبيعة، وإذا ظهرت جبرية الأفعال في الإنسان ظهر اللاتحدد في قوانين الطبيعة. وكانت معظم حركات التجديد والإصلاح التي تحولت بعد ذلك إلى نهضة شاملة دون أن تكبو وتنكص على عقبيها من النمط الأول، حرية في الأفعال وحتمية في الطبيعة.
والأفعال الإنسانية لها جانبان، جانب حر من حيث العقل والتروي والقصد والباعث والغاية، وجانب طبيعي من حيث إنها تتحقق في موقف تتشابك فيه أفعال أخرى وتقع فيه موانع وتتصارع فيه إرادات. فأفعال الحيوانات من «تدبير» الحيوانات ذاتها ولكنها ليست أفعالا لأنها ينقصها الروية والتدبر والعقل والغاية. هي أفعال بدنية آلية تقوم على بناء العضو وعلى غرائز الكائن الحي: المحافظة على الحياة، التغذي، النمو، التوليد، الحركة ... إلخ. لذلك امحى التكليف والمسئولية واستحقاق المدح والذم. بل كانت الحيوانات لنفع الإنسان.
221
والفعل الحر يكون حرا من جانب الفاعل، أي من الإنسان، ولكنه يكون واجبا من جانب الطبيعة، لا من ذاته، بل طبقا لمجرى العادات. يستطيع الإنسان مثلا أن يعمل على إقامة ثورة بحرية تامة وبقرار حر وبوعي فردي واجتماعي كامل. فإذا تحقق الفعل وشروطه بوجود البواعث والغايات والأفكار وارتفاع الموانع البدنية والنفسية والاجتماعية، وبتحقيق إمكانيات الثورة وحركيتها المادية من خلال الجماهير؛ تحققت الثورة بالفعل، إلا إذا تدخلت موانع غير متوقعة أو ظهر خطأ في حساب الإمكانيات النظرية الأولى أو في نقص الوعي بحركية الثورة وتنظيمها. في هذه الحالة يمكن أخذها في الاعتبار، إما في الحال والتكيف طبقا للظروف الجديدة، وإما في المستقبل استعدادا للثورة القادمة. وهذا هو معنى عدم الوجوب في الأفعال من ناحية الطبيعة.
فإذا كان الإنسان حرا، فهل يمكن القول بأنه خالق أفعاله؟ هل هناك فرق بين الفعل والخلق؟ حرصا على الحفاظ على المستويات كل اسم يشير إلى مستويين. الفعل إما إنساني كالحركة أو تغيير البناء الاجتماعي، أو طبيعي كفعل الظواهر الطبيعية. والخلق اسم يشير إلى نفس المستويين أيضا. هناك الخلق الفني من الإنسان، وهناك خلق الأشياء من عدم حين السؤال عن مصدرها. وسواء قلنا الإنسان فاعل في العالم أو خالق لأفعاله فلا فرق بين القولين لو عنينا المستوى الأول وهو الفعل الشعوري. ولا يجوز وصف الإنسان بالفعل والخلق على المستوى الثاني؛ لأن الإنسان ليس ظاهرة طبيعية فحسب وليس خالقا للأشياء من عدم. يوجد الإنسان حرا في العالم. وقد يتم فعل الإنسان وخلقه بآلة كما هو الحال في العمل الفني. وقد يقع منه مقدرا كما هو حال الفنان حين يخلق طبقا لما في ذهنه وطبقا لإحساساته ومشاعره.
222
وكانت حرية الأفعال أحد المواقف الرئيسية للمعارضة السياسية، سواء في الخارج أو في الداخل، العلنية منها أو السرية، دفاعا عن استقلال الإنسان وإرادته الحرة ورفض تدخل أية إرادة خارجية في مصيره تحدده له، سواء كانت إرادة إلهية مشخصة أو إرادة سياسية قائمة، إرادة الله أم إرادة السلطان، فالسلطة الدينية والسلطة السياسية صنوان.