211
ولا يوجد ارتباط ضروري بين الوجود والصفة. وإذا وجد الوجود وجدت الصفة، وإذا وجدت الصفة وجد الوجود؛ لأن الموجود قد يوجد بلا صفة قائمة إذا لم يحدث عليه تأثير من قدرة. ولكن الموجود باق، والواقع قائم تتراءى عليه الصفات وتتبدل.
212
ليست القدرة مجرد إثبات حال، بل إثبات أثر فعلي في الوجود. الحال غير قائم ويتغير باستمرار. بل إن تغييره خاضع لإرادة خارجية إن شاءت حدثت وإن شاءت لم تحدث. بل إن شاءت حدثت ولم يحدث الأثر في الواقع، وإن شاءت لم تحدث وحدث الأثر في الواقع! وكأن الأثر يحدث مباشرة في الواقع بفعل الإرادة الخارجية، وما قدرة الإنسان إلا واجهة لا حول لها تتستر وراءها قوة أخرى خفية هي الفاعلة الحقيقية.
213
الفعل الحر هو فعل الشعور وحريته في الاعتقاد والحكم، وهو الفعل الذي يحدث تغييرا في بناء الواقع الاجتماعي. أما أفعال الطبيعة أو الغريزة فليست أفعالا حرة إلا بقدر تنظيمها والسيطرة عليها، أي بإرجاعها إلى أفعال الإرادة.
214 (7)
كيف يمكن التوفيق بين المؤله المشخص الكامل وبين حدوث الشر في العالم؟ وإذا كانت القدرة على فعل الشر مخلوقة، فكيف يصدر عن الكمال خلق الإرادة على الشر، ولو كان الشر من كسب الإنسان؟
215
لذلك ارتبط موضوع الحسن والقبح بخلق الأفعال كشقين للعدل، كارتباط الذات والصفات كشقين للتوحيد؛ لذلك آثر البعض جعل الشر من العبد والخير من الرب، وآثر التضحية بالذات في سبيل تبرئة الغير كموقف إنساني بطولي يبعث على الإعجاب والاحترام! وكيف يمكن التوفيق بين القدرة المخلوقة لإتيان الفعل وبين استحقاق المدح والذم، والثواب والعقاب؟ وإذا كان لهذه القدرة تأثير، فإن تأثيرها ما زال يرجع إلى كونها مخلوقة، ولا يستحق مدح أو ذم إلا على فعل حادث بقدرة الإنسان كلا وجزءا. كيف يمكن التوفيق بينها وبين التكليف وإرسال الرسل والبعثة؟ كيف يمكن التوفيق بينها وبين الحكمة واللطف والكرم وسائر الصفات والأسماء.
216
إن الحرية هي طبيعة الإنسان، وهي التي تميزه عن غيره من الموجودات، بل إنه يمكن تقسيم الموجودات إلى وجود مصمت ووجود حر، ويكون الإنسان وحده هو الموجود الحر. والوجود ليس حرا لأنه مخلوق، بل لأن الحرية هي الوجود الإنساني ذاته بصرف النظر عن أصل الجود المادي. الوجود أساسا وجود في العالم وليس من العالم أو من خارج العالم.
217
والحرية هي المسئولية الفردية والجماعية عن الفساد والصلاح في العالم بلا ذريعة للتهرب منها أو اتهام للذات وتبرئة للآخر حتى يعم الاستحقاق.
218 (3) تجربة الحرية
مع أن القول بخلق الإنسان لأفعاله أي بالحرية قد ظهر تاريخيا بعد عقيدة الجبر وقبل نظرية الكسب ، إلا أنه فكريا هو البديل للجبر والكسب على السواء، لما كان الجبر يجمعهما معا، كانت حرية الأفعال هي الطرف المقابل للجبر والمتربص به، وظلت كذلك حتى بعد ظهور الكسب الذي لم تر فيه الحرية إلا صورة معدلة للجبر.
219
وهي نهاية المطاف في وصف أفعال الشعور الخارجية من عقيدة الجبر إلى نظرية الكسب إلى تجربة الحرية. ولا يقف أمام الشعور فيها أي عائق يمنعه من أن يكون خالق أفعاله مسئولا عنها حتى يصح الاستحقاق في أصل العدل. ويتأكد إثبات الحرية حتى يتأكد إثبات الذات وحين يستطيع الإنسان التخلص من أنماط الفكر الإلهي، وحين تتقدم الحضارة وتؤدي دورها في التعقيل والتنظير؛ فإثبات الإنسان خالقا لأفعاله أزهر أنماط التعقيل وأعلى ما وصلت إليه الحضارة من تقدم وفعل الزمن. يصبح الإنسان فاعلا على الحقيقة لا مجرد ستار أو قناع يتخفى وراءه فاعل آخر هو الفاعل على الحقيقة، ولا يكون الإنسان إلا فاعلا بالمجاز.
220
وهكذا يبدو أن الحضارة قد مرت بثلاث مراحل في الدورة الأولى لها. أولا: بداية خروج حرية الأفعال من داخل الفكر التقليدي في إجماع الأمة الأول على أنه لا خالق إلا الله. ثانيا: استقلال حرية الأفعال عن الفكر التقليدي وبداية الصراع الفكري. ثالثا: عزل استقلال الأفعال واعتباره خارجا عن إجماع الأمة وسيادة الأغلبية. وفي بداية الدورة الثانية للحضارة منذ الإصلاح الأخير يخرج خلق الأفعال من جديد من بطن الإجماع تحقيقا لصالح الأغلبية الصامتة ضد الأغلبية القديمة التي أصبحت على مدى التاريخ الأقلية الحاكمة. (3-1) الحرية الإنسانية