تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن إنكار قدرة الإنسان المحدثة لا بد وأن يؤدي بالضرورة إلى إنكار الصانع؛ لأن إثبات الصانع قائم على إثبات الحدوث، ومنها حدوث القدرة. كيف يمكن إذن إثبات قدرة الله ونفي القدرة الحادثة؟ إذا كان حدوث القدرة نفسه نتيجة لحكم مسبق هو وجود قدرة مطلقة هي قدرة القديم، فإن إثبات قدرة القديم يظل افتراضا في حاجة إلى إثبات.

204

وإن إثبات قدرة المؤله المشخص قبل الخلق وبدون القدرة الحادثة مجرد إثبات من حيث الشرف والقيمة لا من حيث الواقع؛ لأن عواطف التعظيم والإجلال تفرض صفة كاملة له. إن تصور المعبود مالكا لكل شيء وخالقا كل صورة فكر إلهي مركزي من مجتمع منتصر، ولكن من مجتمع مهزوم تكون صورة للقهر أو تعويضا عنه. فما أجمع عليه المؤلهون في مجتمع منتصر أنه مالك لكل شيء قد يجمع عليه المؤلهون في مجتمع يود الانتصار. إن الإنسان هو القادر على كل شيء.

205

هناك فرق بين الفكر في موضوع موجود وبين تخيل حالة غير موجودة ولا سبيل إلى معرفتها ثم إصدار أحكام عقلية عليها. كيف يمكن الحديث مثلا عن حال المؤله المشخص قبل الخلق أو معرفتها؟ إنه ليستحيل التفكير فيها لأن التفكير أصبح ممكنا بعد الخلق وليس قبله. إن الدليل في حقيقته مصادرة على المطلوب لأنه يبدأ بعواطف التعظيم والإجلال التي تشخص مؤلها موجودا قبل الخلق قادرا على كل شيء ثم تنتهي بإثبات نفس المشخص المؤله ونفس القدرة وكأن نقطة البداية هي نفسها نقطة الانتهاء، وكأن الغرض نفسه هو المطلوب إثباته، وكأنه لا فرق بين الخيال والواقع، بين الرأس والقدمين. (6)

ولا يعني خلق الفعل إيجاد الشيء من عدم أو إحداثه، بل تغيير بناء الواقع؛ وبالتالي فإن الجبر والكسب معا يقومان على افتراض خاطر، وهو أن الإنسان إن كان صاحب أفعاله فإنه يكون لها خالقا ومحدثا. وهذا غير صحيح، فالإنسان لا يخلق العالم بل يعمل فيه، ولا يحدث المجتمع بل يغير بناءه. يعني الخلق هنا الأثر لا الشيء الذي يقع عليه الأثر، الخلق هنا هو الخلق المعنوي لا الخلق المادي، الخلق هنا هو خلق أفعال الشعور لا خلق الأشياء في العالم.

206

هناك إذن فرق بين خلق الإنسان للشيء وفعله في العالم. الخلق تفسير لنشأة الكون، والإنسان بفعله لا يدعي أنه يفسر نشأة الكون، بل يغير فقط البناء الاجتماعي للواقع. وهذا هو معنى تأثير القدرة.

207

وما دام الأمر لا يتعلق بخلق الشيء من عدم، بل بتغيير بناء الواقع، فإن عدم قدرة الإنسان على إعادة الشيء بعد إن لم يكن لا يثبت أنه غير قادر على الفعل. وما دام الفعل الإنساني يتحقق في حدود الطاقة، فإن خلق الشيء أو إعادته ليس مثلا للفعل المقصود، وهو الفعل الذي يهدف إلى تغيير في البناء الاجتماعي. الفعل المقصود هو الفعل الإنساني لا الفعل الطبيعي.

208

لا يرجع الفعل الإنساني إلى الوراء، بل يسير في اتجاه واحد لا عن طريق النكوص. النكوص غياب للفعل وليس إحداثا للفعل. ولكن إذا توافر القصد والداعي فإن الفعل لا ينكص من تلقاء نفسه. وعدم القدرة على النكوص لا تعني استحالة التطور.

209

تحدث القدرة إذن أثرا في الوجود بمعنى تغيير في بناء الواقع وليس بمعنى أنها خالقة للوجود أو محدثة له، بل مجرد فاعلة فيه. وهي قدرة من الذات، من فعل الذات في العالم وليس مجرد انتظار فعل في نفسها. ولا يعني فعل القدرة في العالم وتعلقها بالوجود أنها قادرة على خلق الوجود أو إعدامه أو على قلب قوانينه أو عكسها، بل يعني أنها قادرة على تغيير البناء الاجتماعي للواقع. ليس الوجود هو الوجود المادي، بل الوجود الإنساني الاجتماعي. وإذا كانت القدرة تعبر عن طاقة الإنسان ومداها فإن هذه الطاقة تسري في البناء الاجتماعي للواقع لا في الوجود المادي له.

210

والبناء الاجتماعي للواقع هو ما أطلق عليه صفة الوجود. ولما كانت القدرة هي المؤثرة في البناء الاجتماعي للواقع كانت الصفات التي يختلف بها موجود عن آخر متعلقة بالقدرة. وإنكار أثر القدرة في الوجود وتعلقها بالصفة هو إنكار للفعل على الإطلاق. وما وجه الصلة بين القدرة ومقدورها إن كانت غير مؤثرة فيه؟ إن إلغاء أثر القدرة في الوجود إن هو إلا وسيلة لإرجاع الأثر إلى قدرة أخرى خارجية هي قدرة المؤله المشخص.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٥٦