تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

197

كما أنه يستحيل تصور فاعل واحد بقادرين؛ لأنه إما أن يحدث الفعل كله بقادر واحد، فما وجه الحاجة إذن إلى القادر الثاني؟ وإما أن يحدث الفاعل بالقادرين معا، وفي هذه الحالة ما وجه التمييز بين القادرين؟ وماذا يكون الحال لو اختلف القادران على إتيان الفعل؟ ولو تحقق الفعل فإنه يتحقق بقادر واحد الذي غلب على القادر الآخر. بل إن هذا هو أساس التوحيد، وهو ما يستعمل عادة في إثباته. فكيف يستعمل دليل التمانع في الذات والصفات ويرفض في الأفعال؟ كيف يستعمل في التوحيد ويرفض في العدل؟

198

كما أنه من المستحيل تصور فاعل واحد بقدرتين، قدرة منه وقدرة من خارجه. كل فاعل له قدرة، وقدرته واحدة، وأية قدرة أخرى تدخل في فعله تكون قدرة لفاعل آخر. (3)

ينتج الكسب من احتياج المعبود المشخص إلى قدرة يخلقها في الإنسان من أجل الكسب. ولماذا لا يفعل الله كل شيء ما دام قادرا؟ لماذا التمويه على العبد بأن يجعله فاعلا في الحقيقة وهو ليس إلا فاعلا بالمجاز؟ إن كان الكسب يرمي إلى التوحيد وإثبات قدرة المؤله المشخص المطلقة، فإنه ينتهي إلى الإقلال منه بإثبات حاجته إلى خلق قدرة يكسب بها الإنسان فعله. وهنا يكون الجبر أكثر اتساقا مع عواطف التعظيم والإجلال من الكسب. يجعل الكسب المؤله المشخص مكتسبا لأنه يتدخل في فعل الكسب. وما دام قادرا على كل شيء وقادرا على الكسب؛ فيكون إذن مكتسبا، ويكون تعلقه بالفعل على جهة الكسب يجعله مكتسبا، حتى ولو لم يحتج إلى آلة لأن اسم الفاعل لا يتضمن بالضرورة آلة.

199

وإذا كان الإنسان قادرا على الكسب، فلماذا لا يكون قادرا على كسب كل أفعاله؟ لماذا تكون قدرته منتقصة، وثقته بالنفس مزعزعة، وأنه غير قادر إلا أن يقوم بالأفعال إلى منتصفها؟ وما أسهل بعد ذلك أن يقوم بها إلى الربع ثم لا يقوم بها على الإطلاق اعتمادا على الكسب وخلق الله أفعاله فيه؛ وبالتالي ينتهي الكسب إلى الجبر المطلق. (4)

والكسب لا بد وأن يؤدي بالضرورة إلى الحدوث، لا حدوث القدرة بل حدوث الشيء بفعل قدرة الإنسان. ليس الحدوث هو القدرة أو الإنسان، حدوث من أجل إثبات محدث وهو المؤله المشخص، بل يعني الحدوث إحداث الشيء بقدرة الإنسان.

200

يثبت الكسب إذن بإثبات قدرة حادثة. ولكن لماذا إلغاء تأثير القدرة لكونها حادثة؟ أليس إثبات قدرة لا أثر لها نفيا لما أثبت أولا؟ أهي خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف؟ إقدام ثم إحجام مثل إثبات الصفات بلا كيف في التوحيد بعبارات مثل عين لا كأعيننا وبصر لا كبصرنا ويد لا كأيدينا!

201

وما دام الفعل يقع بقدرة الإنسان، فلماذا الإصرار على أنها محدثة؟ كما أن هذا وصف لنشأة الشيء المادية أو الفعل وليس مجرد الإتيان بالفعل. لماذا وصف القدرة بعد أن تحدث بوصف ينفيها ويلغيها ويقضي على استقلالها؟

202

ولا يعني عجز القدرة عن فعل شيء نفي القدرة، بل يعني حدوثها في نطاقها وحدودها. لا تعني القدرة على إحداث شيء القدرة على إحداث كل شيء. تفعل القدرة الإنسانية على مستواها وفي مداها. لا تعني قدرة الإنسان على الحركة أنه قادر على تغيير بناء الشيء أو على إيجاد الشيء من عدم. لا تعني القدرة على السيطرة على ظواهر الطبيعة تغيير قوانين الطبيعة وعلى إحداث ظواهر تحدث على خلافها.

203

وما دامت القدرة حادثة وليست خالقة، وما دام الفعل لا يتم إلا بقدرة خارجية أخرى، فلماذا لا يريد الإنسان تحريك الجبال ولا تأتي القدرة الخارجية لخلق الفعل فيه وتهيئة الكسب له؟ لماذا تأتي القدرة الخارجية في بعض أفعال الخاصة بالطاعة والعصيان المدني دون البعض الآخر الخاصة بالطبيعة والكون؟ أليس من شيمة المؤله المشخص الكرم والجود واللطف؟ ألا يعطي العون ويهب التوفيق؟ يدل ذلك على أن قدرة الإنسان تؤثر في مداها وحسب الطاقة لا أقل فتعجز ولا أكثر فتتبخر. وما التفرقة بين حالة الفعل وجهة الفعل وصفة الفعل إلا وسيلة لإفساح المجال لإثبات إرادة خارجية مؤثرة على جهة من جهات الفعل لا على كل الجهات أو في حالة من حالات الفعل لا على كل الحالات، ولكي يلغي كون الإنسان هو المعطي لصفة فعله وجهة حاله أي لنفي استقلال إرادته وفعله. (5)

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٥٥