تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

191 (2-4) نقد الكسب

بالإضافة إلى تفنيد حجج الكسب السابقة، فإنه يقع في عدة أخطاء، سواء في التوحيد أو في العدل، تنال من حق الله في التنزيه وحق الإنسان في الحرية منها. (1)

المشاركة أصلا مستحيلة، مشاركة الله للإنسان في الفعل، ومشاركة الإنسان لله في الفعل لأنه ضد التوحيد، فإذا كان الكسب يرفض الحرية لأنها مشاركة من الإنسان في فعل المشخص المؤله فإن الأولى بالحرية أن ترفض الكسب لأنه مشاركة من المشخص المؤله في فعل الإنسان. المشاركة شرك، ويكون حينئذ الجبر أولى بالتوحيد لأنه يوجد في الأفعال، يجعلها كلها مخلوقة من الله دون أن يكون للعبد فيها شيء.

192

والشركة في الكسب تتعدى أن يكون الإنسان مشاركا في الفعل إلى أن يكون لا فعل له على الإطلاق. ما دام الإنسان قادرا على الفعل، فالمؤله المشخص عليه أقدر لأنه أعظم. وإذا كان الإنسان قادرا على تحريك شيء فالمؤله المشخص قادر على تحريك الجبال. وإذا كان الإنسان قادرا على بناء منزل صغير، فالمؤله المشخص قادر على بناء مدينة كبيرة في غمضة عين. وهكذا يتحول الأمر من إثبات قدرة الإنسان إلى إلغائها وإثبات قدرة المؤله المشخص؛ لأنه أعظم وكأن الغاية هي إثبات قدرة عظمى لموجود أعظم وليس إثبات قدرة الإنسان. وذلك فعل عواطف التأليه التي يريد المهزوم تشخيصها تعويضا لهزيمته، وتشبثا بقدرة عظمى يفتقدها أو عواطف التأليه التي يريد المنتصر إثباتها إمعانا في إثبات سلطته، ومحوا لأفعال الآخرين. في حين أن إثبات قدرة الإنسان، والإنسان وحده دون أن يقدر عليها آخر حتى ولو كان المؤله المشخص، أكثر احتراما للإنسان وأقدر تعبيرا عن عواطف التأليه على السواء؛ فهي تؤكد فعل الإنسان، وتثبت عظمة التأليه الذي لا يكون من كماله فعل شيء أقل منه، وهو فعل الإنسان. وما أتفه فيل يريد أن يثبت أنه أقدر من النملة على تحريك قشة!

193

ويدافع الكسب عن نفسه بأنه لا يعني المشاركة. ولا يعني إثبات قدرة الإنسان مشاركة المؤله المشخص في فعله، وكأن إثبات قدرة للإنسان تهمة يجب إبعادها أو ذنب يجب التكفير عنه، وكأن المطلوب إثباته قدرة عظمى فوق قدرة الإنسان؛ لأن قدرة الإنسان هي الطاغية، والقدرة العظمى هي المقهورة! ما دام الإنسان يسعى بالعلل المباشرة إلى تحقيق أفعاله، فكل محاولة لإدخال عنصر ثالث بين الفعل والأثر، أو بين العلة والمعلول ضرب من الأسطورة والغيب والطاغوت. وحتى إذا حدثت العلة دون المعلول أو حدث المعلول دون العلة فذلك لا يعني مشاركة الإنسان في فعله، بل يعني أن هناك علة أخرى قد دخلت فأحدثت الفعل وهي علة غير متوقعة، أو أن العلة التي ظن الإنسان أنها مؤدية إلى الفعل ليست هي العلة المؤثرة؛ ومن ثم يجب البحث عن العلة الصحيحة للفعل المطلوب. هذا التفاوت بين العلة والمعلول واقع في السلوك البشري، ولا يشير إلى تدخل أية علة من الخارج، بل يشير فقط إلى أن طبيعة الإنسان هي القصد والإرادة والتخطيط والمراجعة والبدء من جديد والتجريب والمحاولة والخطأ والإعادة. وما دامت هناك السنن والإرادات تحدث الأفعال دون ما حاجة إلى عنصر ثالث فوقهما.

194 (2)

يستحيل أن يكون الإنسان فاعلا على الحقيقة ومكتسبا في آن واحد؛ فهذا جمع بين ضدين. فإما أن يكون الإنسان صاحب فعله وبالتالي يكون فاعلا على الحقيقة، وإما أن يكون مكتسبا وبالتالي يكون فاعلا بالمجاز.

195

فإذا استوى الفعلان؛ فعل الإنسان وفعل المؤله المشخص، أصبح كلاهما فاعلين على الحقيقة، وهذا يستحيل أيضا؛ لأن الفعل لا يكون إلا لقادر واحد. بالإضافة إلى أنه لا مبرر هناك لفاعلين ما دام الإنسان فاعلا قادرا، وما دام المؤله المشخص فاعلا قادرا.

196

ومن المستحيل تصور وجهين للفعل، يقع أحدهما بقدرة والآخر بقدرة أخرى؛ فالفعل له وجه واحد من جهة الفاعل. ولما كان الفعل لا يحدث في فراغ بل يحدث في واقع، ويتحقق في موقف، فإن هذا الموقف ليس وجها آخر للفعل بل هو ميدان للفعل الذي يحتوي على عوامل محددة للفعل وموجهة له. ولكنها ليست واجهة أخرى للفعل تستقبل فاعلا آخر وقدرة أخرى. الشيء ذو وجه واحد، والفعل ذو وجه واحد لا يتغير ولا يتبدل، لا يتعدد ولا يتكاثر وإلا تميع وساب، وتشعبت المسئولية واستحال التوجه والقصد.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٥٤