150
ولا تعني عدم قدرة الإنسان على الإعادة أن الإنسان غير قادر؛ فالفعل الإنساني فعل موجه مقصود مسبب، له غاية ونهاية. الرجوع إلى الوراء إنكار لغائية الفعل ولقصد الإنسان، والغائية جوهر الحياة، والقصدية أساس الفعل. والتاريخ لا يرجع إلى الوراء، والتراكم الكمي يتحول إلى كيف. الفعل الإنساني بطبيعته فعل لا يتكرر لأنه فعل إنساني أي فعل خلاق. والخلق الفني لا يتكرر؛ لأنه مرهون بلحظة الخلق. الفعل الإنساني بطبيعته فعل جديد، والجدة في الخلق تعبير عن الحرية في الفعل، ولو كان الإنسان مجبرا لتكررت الأفعال؛ لأنها تحدث بنفس القدرة المخلوقة وعلى نفس المنوال. ولا توجد أية ضرورة على الإنسان حين يأتي بفعله تجعله قادرا على إعادته من جديد، لا ضرورة عقلية أو حسية، بل توجد ضرورة توجب النقيض. المؤله المشخص وحده هو القادر على الإعادة؛ لأنه افتراض نظري، وفكر بالتمني، وتخيل حالة لا وجود لها. أما الإنسان فإن ممارسته لفعله واقعة بالفعل. ومع ذلك فبعض الأفعال يمكن إعادتها بالممارسة. وتختلف درجة التكرار حسب مستويات الفعل. لو كان الفعل آليا أمكن إعادته كالعامل الذي يقوم بنفس الفعل آلاف المرات إذ تحول الفعل لديه إلى طبيعة ثانية، وإذا لم يحدث التكرار في الفعل الآلي فإنه لا يدل بالضرورة على نقص في القدرة، بل على نقص في التمرين والتعود والممارسة أو على نقص في الآلة. أما الفعل البدني فإنه ممكن تكراره. قد لا يكون نفس الفعل من حيث الحركة الطبيعية ولكنه يكون نفس الفعل من حيث الدلالة. يمكن مثلا كتابة نفس الحروف آلاف المرات والسير بين نقطتين عشرات المرات، ويكون الفعل في نفس المرة هو نفس الفعل، نفس الحرف أو نفس المسافة. ولكنه قد لا يكون الحرف تماما هو نفس الحرف من حيث الرسم، وقد لا تكون الخطوة تماما هي نفس الخطوة من حيث المسافة. ولكن هذه الفروق المكانية لا دلالة لها على الفعل ومصدره وهو الإنسان القادر الحر. والإعادة فرع على مبدأ، ومن يثبت الفعل يثبت التولد. الإعادة ممكنة لأن الفعل ممكن أولا. ومن قدر على الفعل الأول يقدر على الفعل الثاني. وقد استعمل الفكر الديني الإلهي هذا التحليل لإثبات البعث بإثبات الخلق؛ فالقدرة على الخلق تتضمن القدرة على البعث لأن القادر على الفعل أولا يكون أقدر على إعادته ثانيا. والقول باستحالة الإعادة مبني على أن العلم لا بد وأن يكون علما بالتفاصيل، وهذا غير لازم؛ فالإعادة ممكنة بفعل الممارسة عندما يتحول الفعل الأول إلى طبيعة ثانية. كما تصح الإعادة من المؤله المشخص؛ لأنه عالم بكل شيء وقادر على كل شيء.
ولا يعني فرض أن قدرة الإنسان مخلوقة معه فهو أيضا مخلوق؛ أن أفعال الإنسان مخلوقة لأن خلق القدرة لا يستلزم بالضرورة خلق الأفعال. يمكن خلق قدرة قادرة حرة في الإنسان الذي هو محقق قدرته في أفعاله. ولا يعني اعتبار المؤله المشخص مالكا لكل شيء بما فيه الإنسان وفعله نفيا لقدرة الإنسان. إن القول بأن المؤله المشخص مالك لكل شيء مجرد عبارة تعبر عن عواطف التعظيم والإجلال. والمعاني والحقائق والوقائع لا تثبت بالعبارات والألفاظ.
151
ولا يعني إثبات كون الإنسان قادرا أنه يسلب الآخر حريته أو يشاركه فيما ليس له، بل إن القادر على أفعاله هو المحقق لها. وهذا أيضا ينفي بالضرورة أن يشارك آخر في أفعاله إلا من مشاركة الجماعة والعمل المشترك داخل الجماعة أو الحزب.
152
لا يعني اختلاف الألسنة والألوان وجود قدرة مشخصة خارجية جعلت الألوان والألسنة متباينة على هذا النحو؛ فتباين الألوان يرجع إلى درجة بعد الجماعة البشرية عن الشمس، وتباين الألسنة يرجع إلى اختلاف نشأة اللغة حتى لو كانت لغة الوحي توفيقا. لقد حدث ذلك مرة واحدة ولم يتكرر بوجود أول إنسان على الأرض، وهذا الحال ليس حالنا، نحن بقية البشر.