تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد كانت هذه الحجة في عقيدة الجبر من قبل. فإن اعتراض المجبرة: كيف يمكن فعل شيء مخالف لما هو معلوم ومقدور من قبل قائم على تشخيص عواطف التأليه في علم مطلق حاو لكل شيء، له الأولوية على القدرة الإنسانية في حين أن تحليل السلوك الإنساني يؤدي إلى إثبات القدرة وإنكار أي قدر مسبق إلا قوانين التاريخ التي تعرف بالاستبار وبالخبرات الماضية. يحتوي الوحي على هذه القوانين معطاة من قبل، وهو العلم المطلق الواقع بالفعل لا المتوهم.

147

ولما كان الفعل الإنساني واقعا وكان العلم المطلق الشامل صفة مشخصة وقدرا مسبقا غير واقع؛ أدى الفعل الإنساني إلى العمل ضد عواطف التأليه، وأصبح إثبات أولوية العلم الشامل كصفة مشخصة على الفعل الإنساني الواقع يعمل ضد الغاية منه وهو إثبات عواطف التأليه وجعل المؤله المشخص صفات على البدل وهو مضاد للكمال. القدرة على خلاف المعلوم تجهيل للعلم المطلق المشخص للمؤله ولا يمكن رفع الإشكال إلا بإثبات القدرة. ولكن وجود الرسالة وإبلاغ الوحي يمنعان من أن تكون القدرة مجبرة من قبل وإلا ففيم كان الوحي وفيم كانت الرسالة؟

148 (10)

القدرة. واعتبار كون الإنسان قادرا ولكن المؤله المشخص أقدر منه لا ينفي قدرة الإنسان على الإطلاق؛ فالمؤله المشخص كما ظهر في التوحيد خلق من الشعور الانفعالي وإسقاط منه ورغبته في تثبيت عواطف التعظيم والإجلال عن طريق التشخيص والتجسيم. وهذه العواطف نفسها ناشئة عن موقف نفسي واجتماعي غير سوي، موقف اضطهاد أو موقف تسلط. فتصوره على أنه واقف للإنسان بالمرصاد يتدخل في فعله ليس تفكيرا بل عودة للانفعال لطمس الفكر. وكون الإنسان قادرا وغيره أقدر لا ينفي كون الإنسان قادرا. ولا يوجد أي وجوب عقلي أو حسي ذهني أو واقعي، على أن وجود غير قادر يمنع الإنسان من أن يكون قادرا. الخلاف فقط في الدرجة وليس في النوع. ومع ذلك قد يكون الإنسان بإمكانياته العقلية والإبداعية أقدر من الظواهر الطبيعية؛ لأنه قادر على السيطرة عليها والتحكم في مسارها من خلال معرفته بقوانينها.

149

وهذا قياس صوري خالص وليس قياسا عليه. هو قياس صوري يبدأ بافتراضات واحتمالات معبرا عنها بلو كان، فالنتيجة التي تنتج منها نتيجة صورية خالصة. كذلك مقياس صدقها اتفاقها مع المقدمة الافتراضية ودون أن تثبت شيئا في الواقع. إن جعل المؤله المشخص قادرا على ما يقدر عليه الإنسان يجعله أيضا مكتسبا بالأفعال ما دام الإنسان مكتسبا لها. وهو ما ينافي عواطف التعظيم والإجلال. وليس هناك من يقدر الإنسان على فعله إلا قدرته وباعثه وفكره وغايته. فتلك هي العوامل التي تكون فعله. ولو كانت قدرته مستمدة من غيره لما كان قادرا بذاته أو فاعلا بذاته، ولما كان صاحب فعله، ولما كان السؤال ذاته قد وضع.

ويكون السؤال الآن: ما الغاية من الفعل الإنساني؟ إثبات قدرة الإنسان أم إثبات قدرة غيره؟ وأي القدرتين في خطر إذا نيل منها؟ وإذا كانت قدرة الذات المشخص شاملة قادرة على كل شيء، فلم الحاجة إلى إثباتها ونفي قدرة الإنسان التي لا تستطيع أن تفعل أمامها شيئا أو تبقى لحظة واحدة؟ إن عدم قدرة الإنسان على كل شيء لا تعني أن هناك قدرة أعظم تقدر على ما لا يقدر عليه الإنسان؛ فالقدرة الإنسانية لها مداها وهو مدى الفعل ومدى القدرة. يقدر الإنسان على تغيير بناء الواقع الاجتماعي، ففعله فعل إنساني حيوي وليس فعلا طبيعيا. ولا يعني عدم قدرة الإنسان على تحريك الجبال أو إغراق الكون عدم قدرته على الأفعال؛ لأن القدرة لها مستواها ومداها، مستواها هو البناء الاجتماعي ومداها هو الأثر. لا يستطيع الإنسان أن يغير من قوانين الطبيعة، أن يجعل الحر باردا أو البارد حارا أو المؤلم ملذا أو الملذ مؤلما أو أن يسقط الحجر إلى أعلى أو أن يعيش السمك خارج الماء. إن الطبيعة، سواء كانت الطبيعة الخارجية أم الطبيعة الإنسانية، واحدة لها بناؤها. يمكن تصور المؤله قادرا على تغيير قوانين الطبيعة وقلب الحجر ذهبا والعصا ثعبانا ولكن ذلك تخيل وانفعال، وفكر بالتمني، إما تعويضا عن عجز أمام الطبيعة أو تخويفا برهبة السلطان. ومع ذلك يستطيع الإنسان من خلال العلم السيطرة على مظاهر الطبيعة وإخضاعها لإرادته. يمكنه حينئذ أن يطير في الهواء بالآلة وأن يسير فوق الماء بالآلة وأن ينزل إلى قاع المحيط بالآلة أيضا طبقا لقوانين الطبيعة وليس خرقا لها. يمكنه أن يهبط المطر وأن يجعل الحر باردا والبارد حارا بالتبريد والتكثيف. وأن يحول الحجر ذهبا بالضغط والعصا ثعبانا بالكيمياء. فلا حدود لقدرة الإنسان على الطبيعة. ووضع الحدود أمامه إيقاف لتقدم العلم وإحباط مسبق لإرادة الإنسان. أما أفعال الشعور كاللذة والألم فيستطيع الإنسان أن يجعل من المؤلم ملذا بفعل التضحية والشهادة، أو أن يجعل من الملذ مؤلما إذا كان فيه فقدان الذات وضياع الكلمة وأذى الآخرين. يمكن أن يكون لقدرة الإنسان أثر غير محدود بزمانه ومكانه؛ فأثر كبار الفلاسفة والعلماء والفنانين والقادة غير محدود، وما زالت الإنسانية تسير بفعل السابقين وتحت أثرهم. هناك من البشر من أثر في تاريخ الإنسانية إلى الأبد كالأنبياء. حتى على فرض أن أثر القدرة الإنسانية محدود، فذلك لا يعني وجود قدرة أخرى أعظم وأجل وأسمى في مقدارها أن تدك الجبال وتجعل الأرض محيطا والمحيط أرضا وأن تشرق الشمس من المغرب وأن تغربها من المشرق؛ فذاك قلب لقوانين الطبيعة الثابتة وهدم للعلم وإنكار لاطراد العادات وزعزعة لثقة الإنسان بالعالم وبفعله فيه، ولا يكون تعبيرا إلا عن عاجز يود أن يرى الكون في قبضته بالتمني أو قاهر يود السيطرة على الآخرين بالإرهاب أو الخديعة.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٤٦