تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

153

وما المقصود في النهاية، نفي قدرة الإنسان من أجل رفض مشاركة أحد مع المؤله المشخص في فعله أم إثبات قدرة الإنسان ورفض مشاركة أي أحد مع الإنسان في فعله؟ ما المطلوب في النهاية؟ إثبات قدرة الإنسان حتى لو كان ذلك بنفي قدرة الغير أم قدرة غيره حتى ولو كان ذلك بنفي قدرة الإنسان؟ حرية الإنسان أم حرية غيره حتى ولو كان ذلك بالقضاء على حرية الإنسان؟ وكيف تثبت إرادة الإنسان وقدرته وفعله وحريته مع قرار مسبق بأنه لا شيء مخلوق له الخيار في أمره في عالم ليس له؟ وإذا كان القرار المسبق هو الحل فلماذا وضع السؤال؟ (2-3) القدرة والاستطاعة

تثبت نظرية الكسب القدرة بإثبات التفرقة بين الحركة الاختيارية والحركة الاضطرارية. وتثبت القدرة كواقعة للإنسان كما تثبتها تجربة الفعل الحر. ولكن نظرية الكسب لا تجعل القدرة من نفس الفاعل، بل من مصدر خارجي. وترفض إحالة التفرقة إلى ثبوت الإرادة أو البواعث أو صفة في الجارحة أو بنية مخصوصة. ولكن ما فائدة إثبات قدرة للإنسان ثم نفي أن الإنسان مصدرها؟ إن ذلك كمن يعطي شيئا بيد ويأخذه باليد الأخرى. يثبت الكسب الاستطاعة ولكنه لا يجعلها من الإنسان بل من مصدر خارجي.

154

والقدرة في الكسب صفة متميزة عن البدن؛ لأنها من خلق فاعل خارجي. ليس المزاج أو الاستعداد البدني بل صفة توجد في البدن دون أن تكون هي البدن، صفة مخلوقة من الخارج. والحقيقة أن القدر مجموع لاستطاعات البدنية والنفسية والاجتماعية لأن الفعل مرهون بالبدن وبالباعث والموقف الاجتماعي في آن واحد.

155

وقد يشار إلى القدرة أحيانا بلفظ آخر أخص، وهو الاستطاعة، والاستطاعة مخلوقة في الإنسان من الخارج مثل القدرة. الإنسان مستطيع باستطاعة هي غيره. وهذا يماثل ما يقال في الفكر الديني الإلهي من إثبات ذات المؤله المشخص وإثبات صفات هي غيره. وهذا غير صحيح. فإذا كان العجز نقيض القدرة فكون الإنسان عاجزا مرة لا يعني أنه مستطيع باستطاعة غيره بل لآفة في الجارحة أو لضعف في الباعث أو لعدم وجود باعث على الإطلاق أو لتقييد حركته. ولو كان ذلك كله يسمى الغير يكون الغير مرتبطا بالبدن أو بالنفس أو بالذهن، وذلك ليس خارجا عن الإنسان.

156

ولم تعرض عقيدة الجبر لموضوع الاستطاعة؛ لأنها تنكر أن يكون للعبد استطاعة؛ فهو مجبور في أفعال الشعور الداخلية والخارجية.

157

ثم تتصف القدرة أي الاستطاعة، بأهم ما يميز الكسب وهو أنها لا توجد فقط من الخارج إلى الداخل، من الله إلى الإنسان ولكنها توجد أيضا في لحظة الفعل وساعة وقوعه لا قبله ولا بعده. ما دامت القدرة ليست من الفاعل لا الإرادة ولا من البواعث ولا من العضو فليس لها وجود سابق على الفعل، بل توجد في لحظة مع الفعل.

158

وما دامت القدرة تحصل مع الفعل فإنه لا يجوز الترك؛ ومن ثم يصبح الفعل ضروري الحصول، ويكون الإنسان مجبرا على الفعل؛ لذلك كانت القدرة في الجبر أيضا مع الفعل، أي مقارنة القدرة لمقدورها.

159

الله وحده هو الذي تتقدم فيه القدرة على الفعل وكأنه معتزلي! وكما لا تتقدم القدرة المقدور، فكذلك لا يتقدم العجز المعجوز. العجز قائم بالعاجز ولا يتقدم عليه.

160

والحجة في ذلك أن الاستطاعة عرض، والعرض لا يبقى زمانين. العرض يجيء ويذهب، يوجد ويعدم، وهو ليس كالجوهر، قائم بذاته؛ لذلك توجد القدرة ساعة التكليف لا قبله.

161

والحقيقة أن صلة القدرة بالفعل ليست صلة عرض بعرض. فالقدرة توجد الفعل أو معه عندما يعزم الأمر وتجتمع الطاقة ويبدأ التنفيذ. فالصلة بين القدرة والفعل صلة عضوية حركية، وليست صلة علة بمعلول. وبالتالي يستحيل وجود المعلول بلا علة أو العلة بلا معلول. وقد تكون الاستطاعة مع الفعل بأن يقرر الإنسان بناء على حريته فعل شيء ثم تنشأ الاستطاعة من قدرة الإنسان على الخلق، ومن حدوث ما لا يمكن التنبؤ به، وهو دليل آخر على الحرية. الأول هو القرار حتى على ضعف الإمكانيات والثاني حدوث استطاعة غير متوقعة أثناء إتيان الفعل. فحدوث الاستطاعة مع الفعل قد يكون من فعل الحرية. وحدوث قدرة غير متوقعة وقوة غير محسوبة تقوي العمل وتعمل على تحقيقه على أكمل وجه.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٤٨