كما لا يدل الشكر على نفي قدرة الشاكر وإثبات قدرة المشكور، بل قد يكون الشكر على تهيئة الفعل وعلى اللطف وحسن المعاملة. هدفه الاعتراف للآخر بفعله وبإعلان أداء واجبه وبحضور المبدأ العام الذي هو أساس سلوك الجميع. الشكر ليس تملقا ولا مدحا فلا شكر على واجب. ولا يدل على وجود يد عليا تعطي ويد دنيا تأخذ، بل هو إعلان لمساواة الأطراف جميعا تحت مبدأ عام هو الواجب وإمكانية تحققه بالفعل.
141 (8)
الوحي. إن القول بأن إثبات الحرية يقتضي بالضرورة إثبات العقل والتمييز والحسن والقبح الموضوعيين، وهذا يكون بالضرورة ضد الوحي الذي يعطينا صفات الأشياء وأحكام الأفعال، هو قول نصفه حق ونصفه باطل. صحيح أن إثبات الحرية يقتضي بالضرورة إثبات العقل والتمييز ووجود الحسن والقبح صفات موضوعية في الأشياء، ولكن ذلك لا يعارض الوحي لأن الوحي هو العقل والواقع، هو القدرة على التمييز. وهو قيم موضوعية وصفات في الأشياء. وهي حجة في نهاية الأمر تخرج من موضوع خلق الأفعال إلى موضوع الحسن والقبح، وتحل مسألة بالإحالة إلى مسألة أخرى، وتثبت شيئا بشيء آخر يحتاج إلى إثبات. فكون الوحي مصدر صفات الأشياء وليس العقل موضوع آخر يحتاج إلى إثبات في مسألة أخرى هي مسألة العقل والنقل أو العقل والسمع أو الحسن والقبح.
142
حتى ولو كان إثبات الحرية يتضمن إثبات العقل وأنه مصدر صفات الأشياء والتمييز بين الحسن والقبح كأساس للفعل الحر المختار، فما العيب في ذلك؟ هل لأن العقل أساس الفعل الحر المختار يلغي هذا الفعل ويثبت الجبر؟ يبدو أن إثبات الجبر يتضمن بالضرورة إلغاء العقل لأن الجبر في الأفعال والأسرار في الأفهام شيء واحد. إن إثبات حرية الفعل للإنسان لا يعني تغيير صفات الأشياء لأن الحرية قائمة على وجود صفات موضوعية في الأشياء يدركها العقل تجعل الفعل حسنا لصفات فيه وقبيحا لصفات فيه، كما أن الفعل في ذاته حسن وقبيح. إن إنكار الحرية يقتضي بالضرورة إنكار الحسن والقبح كصفتين في الأفعال يدركهما العقل.
143
لا حرية بلا عقل، ولا عقل بلا حرية. وكل إثبات لأولوية النقل على العقل هو قصد نحو إثبات الجبر وإلغاء الحرية، وكل إثبات للجبر هو قصد نحو إلغاء العقل؛ لذلك قام العدل على ركنين رئيسيين: إثبات الحرية والعقل، إثبات الإنسان الحر والإنسان العاقل. (9)
العلم الشامل. إن العلم المطلق الشامل كصفة للوعي الخالص لا يمنع الحرية الإنسانية من الوقوع؛ فالعلم المطلق كصفة مطلقة لموجود كامل كما ظهر في التوحيد تشخيص يقوم به الإنسان في حالة الانفعال الشديد الناتجة عن الكرب والإحساس بالضياع والهزيمة والوقوع تحت الظلم والاضطهاد أو نتيجة لشعور بالزهو والانتصار والرغبة في تأكيد السلطة المطلقة على أساس من الشعور بالرهبة والخوف أمام سلطان مطلق. فالذات المشخص وصفاته المطلقة من فعل الشعور.
144
إن العلم شيء والقدرة شيء آخر. يعلم الإنسان أكثر مما يستطيع أن يقدر، ويقدر أحيانا أكثر مما يستطيع أن يعلم. لا يوجد تطابق تام بين العلم والقدرة. العلم عام والقدرة خاصة، العلم شامل والقدرة فردية، العلم لا نهائي والقدرة نهائية، العلم نظري والقدرة عملية. لا يمكن إذن الجمع بين العلم والقدرة أساسا.
145
وعلى فرض إعطاء التوحيد وجودا واقعيا في ذات بصفات كاملة لا يكون العلم بما يحدث في العالم بالضرورة نفيا للحرية أو تدخلا فيها من قبل هذا العلم لأن العلم نظر والإرادة عمل. لا يعني كون أفعال الإنسان معلومة من قبل أنها بالضرورة مفروضة عليه لأنه في هذه الحالة ماذا تكون صفة علم مطلق لا يقع بالفعل وغير مطابق للواقع؟ وماذا يكون مصير العلم إن حدث الفعل الإنساني على خلافه ما دام الفعل الإنساني فعلا حرا.
146