136
إن احتياج الفعل إلى سبب مهيج أي إلى باعث لا يعني على الإطلاق حدوث هذا الباعث من إرادة خارجية تتدخل في الفعل الإنساني بإحداثها هذا الباعث، وما على الإنسان إلا التنفيذ الآلي له. فالباعث هو الفعل نفسه كفعل ضمني. وهو الفعل الشعوري أي الوجود الأولي للفعل قبل أن يتحقق. والحقيقة أن الباعث ينشأ في الإنسان كموجود اجتماعي. الإنسان في موقف، والموقف يحتاج إلى تغيير، ومن ثم ينشأ الباعث على التغيير في الإنسان. الموقف الاجتماعي هو مصدر الباعث. وبمجرد حدوث الباعث في الشعور يتحول إلى طبيعة. الطبيعة هي مجموعة البواعث، والبواعث أبنية ممكنة للعالم تتحول إلى أبنية واقعية بالفعل الإنساني .
137
وإذا كان السبب المهيج فكرة، فالفكرة من الوحي ولكنها تحولت إلى طبيعة بمجرد فهم الإنسان لها وظهورها على أنها بناء مثالي لموقف يريد أن يتغير. (7)
الابتهال والدعاء والسؤال والشكر. كل ذلك ليس دليلا على وجود قدرة خارجية يستدعيها الإنسان كي تتدخل في فعله وتعينه على الإتيان به، بل مجرد موقف نفسي يدل على انحراف في السلوك. ففي مجتمع مهزوم تكثر مثل هذه الابتهالات والدعاءات لطلب النصر لعجزه عن الإتيان بالنصر بالفعل. وفي خضم هذه الانفعالات الحادة ينشأ فعل جاد ولكنه منحرف وهو الابتهال والدعاء. وفي اللحظة التي يدرك فيها المهزوم خطة عمل وباعثا وغاية يبطل دعاءه وابتهاله ويحقق ما يريده بفعله الخاص، وهو قادر عليه. الابتهال فعل الضعيف العاجز، ونشاط انفعالي حين يعجز عن الفعل، وإغراق في الأدب والتصوف حين يطمس العقل ويزيف الوعي.
138
وقد انتشرت الأدعية والتواشيح والابتهالات في عصور التخلف والانحطاط مع الفرق الصوفية وبعد تشخيص الوحي في محمد كما تم من قبل تشخيص الوعي الخالص في المؤله. وقد يحدث الابتهال أو الدعاء أو السؤال في مجتمع منتصر. وفي هذه الحالة يكون موجها من العامة إلى السلطة المنتصرة. بدلا من أن تطلب حقها بالفعل تدعو وتبتهل وتتبرك بالسلطة كما تفعل بالأولياء. وكثيرا ما يتحول التضرع والابتهال إلى تملق ونفاق وتقرب وإذلال للنفس باسم الدعاء،
139
ويكون أقرب إلى الشحاذة أو السؤال، الكفان إلى أعلى للاستجداء، والدموع في العينين للاستعطاف، وحشرجة الصوت وانسداد الأنف من البكاء، وإنما البكاء للنساء! إن الدعاء في لحظات الضعف والعجز وقلة الحيلة لا ينفي قدرة الإنسان، بل يثبت قدرة أعظم مكمونة في الحاضر كي تتفجر في المستقبل. الدعاء مقدمة الفعل وإعداد له. ولا يتحقق الفعل إلا بعد أن يتحول الدعاء من مجرد الأماني والأحلام إلى التحقق بالفعل حسب القصود والدواعي.
140
إن وضع الإنسان بين الحركة والسكون، بين الإقدام والإحجام، بين النشاط والخمول، بين اليقظة والغفلة وضع طبيعي. وهما ليستا ملكتين نفسيتين بل حالتان وجوديتان تعبران عن موقف الإنسان في العالم وأن وجوده فعل وإمكانية تحقيق . يجد الإنسان نفسه بينهما في شد وجذب يتصارعانه ويهددان وحدته فيتجه نحو أحدهما بطبيعته واختياره عندما يتبع الدافع الأقوى وتمييز العقل، لأنهما متماثلان ويظل واحدا. ويتحدد مصير الإنسان بنوعية هذه الحركة من ذاته دون تدخل أية إرادة خارجية سواء في صالح السكون أو لصالح الحركة. لو تدخلت لصالح الحركة للبعض ولصالح السكون للبعض الآخر يكون تميزا مسبقا وجبرا على الإنسان وتدخل طرف جديد في معركة غير متكافئة الأطراف. وإذا تدخلت لصالح السكون والإحجام ضد حركة وتقدم أحد الأطراف يكون السؤال: كيف يصدر الشر عن الخير، والقبيح عن الحسن خاصة إذا كان الخير والحسن مظهرين للكمال المطلق، أي صفتين كاملتين مطلقتين؟ كيف تتدخل الإرادة الخارجية في حركة الإنسان دون أن تنكر فعله واستقلاله؟ ولا يعني وجود الإنسان بين واقعين: الإقدام والإحجام، الأمام والخلف، التقدم والتخلف، النهوض والسقوط أية ثنائية متعارضة قائمة على تطهر جانب وسقوط جانب آخر، تؤدي إلى الكبت أو الشذوذ أو النفاق أو التصوف كما هو الحال في الثنائية الرأسية بين الأعلى والأدنى، بل هي ثنائية أفقية يوجد فيها الإنسان حسب قوة الباعث فيه ووعيه الفردي والاجتماعي، فهو ساكن أو متحرك، خامل أو يقظ، مصمت أو حي.