وقد يستخدم الترجيح لا لإثبات الكسب بل لإثبات القضاء والقدر كما هو الحال في الجبر. فما دام الترجيح ضروريا لا واقعا فقط يثبت القضاء والقدر. وهذا خاطئ لأن الفعل يتم بقصد الإنسان، ومتى حصل الفعل بقصد الإنسان فإن الإنسان يكون فاعلا على الحقيقة فحسب، ويكون فعل الإنسان كله له. حتى الموانع والعقبات التي توجد في ميدان الفعل هي كذلك بالنسبة إلى الإنسان. وكل ما قيل عن الترجيح باطل لأن الإنسان بطبيعته باعث ولا تستوي هذه البواعث، ولا توجد لديه حرية استواء الطرفين.
131 (5)
الخلق. يسمى الإنسان خالقا، فهو صاحب الفعل الشعوري، وهو مصدر الإبداع الفني. ولماذا لا يكون الإنسان خالقا وهو في فعله اليومي يبدع ويخلق؟ هناك فرق بين الخلق الطبيعي لجسم الشيء وبين الخلق الإنساني لتكوين الشيء أو بنائه. لا يوجد الإنسان شيئا من لا شيء، بل يوجد شيئا من شيء آخر ، تمثالا من حجر، موسيقى من صوت، أدبا من حروف، وحزبا من جماعة، وهذا أيضا خلق.
132
والخلق لغويا لا يعني بالضرورة المعنى الأول وهو الخلق من عدم، بل قد يعني أيضا المعنى الثاني وهو التقدير؛ ومن ثم فلا مانع من وصف الإنسان بأنه خالق. يمكن إثبات الخلق، وفي نفس الوقت يمكن القصد به معنيين مختلفين. ويكون خطأ لو وصف الإنسان خالقا بالمعنى الأول. أما إذا كان الخلق يعني تطابق الفعل مع المصلحة فيكون الإنسان أحيانا خالقا حتى تكون أفعاله مطابقة للمصلحة. فإن حدث عدم التطابق فذاك من فعل الحرية. أما المؤله المشخص فإن تطابق أفعاله مع المصلحة غنى خالص أو تبرير لكمال أو تعبير تطهري، وإلا فكيف يمكن تفسير الشر والظلم في العالم؟
133
إن كثيرا من العبارات هي مجرد مدح لا تعبر إلا عن عواطف التعظيم والإجلال مثل: «خالق كل شيء»، «قادر على كل شيء»، «عالم بكل شيء»، «مالك لكل شيء». فالأمر كله في الحقيقة في التنزيه، ولكن هذه المرة مع الفعل وليس مع الذات، تمثيلا لما يحدث في العالم الإنساني لو كان يسمح تحليله بالتنزيه، أو نفيا لما يحدث في العالم الإنساني وتجاوزا للمشابهة إلى حد الإطلاق.
134
إن الفعل الإنساني خارج مقولات الشيء والجسم والجوهر والعرض. وهو ليس كالألوان والطعوم والروائح، بل هو فعل إنساني خالص يهدف إلى تغيير البناء الاجتماعي للواقع أو فعل فني خالص يبدع الإنسان فيه ويعبر به عن وجوده في الزمان والمكان لحظة تحقيق رسالته. (6)
الخاطر. لا يعني وجود الخاطر في النفس تدخل أية إرادة خارجية في صورة عقل أو وحي أو إلهام من أجل إعطاء الإنسان إما الأساس النظري للفعل أو واقعا مرويا عليه. بل إن هذا الخاطر يكون نتيجة تفكير إنساني سابق في الموضوع، وانشغال الذهن به، وتوقد الشعور فيه. هو حصيلة كسب من الإنسان. وتنشأ الخواطر في النفس بطبيعتها، وتشير إلى قدرة الشعور على الخلق والإبداع، وتثبت الحرية ليس فقط في الأفعال الخارجية بل أيضا في أفعال الشعور.
135
ولكن هل يلزم خاطران حتى يصح الاختيار؟ الشعور ذاته حرية، والحرية تعني إمكانية الحركة. فإذا كان الخاطر يعني الباعث، فالبواعث تتدافع فيتحقق الفعل طبقا للدافع الأقوى. وإن كان الخاطر يعني الفكر، فالأفكار تتصارع فيتحقق الفعل طبقا للفكرة التي تتحول إلى باعث قوي. والشعور بطبيعته يتجاذبه طرفان؛ حركة وسكون، إقدام وإحجام، تقدم وتأخر، يقظة وغفلة، ازدهار وتقلص، نمو ونكوص، حياة وموت. وهذان الطرفان لا يعرضان إلى الشعور من الخارج ليختار الإنسان عقليا بينهما بعد عدد من العمليات الحسابية بأية مقاييس ذاتية أو نفعية، بل حياة الشعور ذاتها تسري بين هذه الأطراف، والحرية هي التي تحدد المسار. ليست الحرية ملكة أو قوة أو عضوا، بل هي طبيعة بممارستها فرديا وجماعيا مع الذات ومن خلال الجماعة. قد يحدث الخاطران؛ خاطر الإقدام وخاطر الإحجام. ولكن هذين الخاطرين ينشآن من الموقف الاجتماعي. فما الداعي أن ينشأ خاطر الإقدام من العالم وخاطر الإحجام من الخارج؟ صحيح أن الطبيعة خيرة وفاعلة بطبعها، ولكن خاطر الإحجام قد ينشأ من إغراء في العالم أو من تقلص في الطبيعة ونقص في الازدهار. ويكون السؤال: وكيف ينشأ خاطر الإحجام من الخارج والمؤله المشخص خير كله؟ ولماذا يحدث خاطر الإقدام من الخارج وخاطر الإحجام من العالم؟ وهنا تكون الطبيعة فاسدة لأنها لا تقدم على فعل بل تحجم عن كل فعل. ويبقى السؤال: كيف يصدر عن المؤله المشخص، وهو خير كله، الشر في العالم؟ أما إذا كان الخاطران من الخارج، الإقدام والإحجام معا، فهنا لم يعد يبقى شيء للإنسان، بل إن الإنسان نفسه لم يعد موجودا. الخاطران من الخارج وما هو إلا آلة. أما الخاطر الذي يأتي بفعل خارجي حتى يعين الإنسان على الإتيان بفعل تكرهه النفس وتعافه فهو إلغاء وضع خاطئ بمثله. فالفعل الذي تكرهه النفس لا يمكن أن يكون أمرا، فأوامر الوحي كلها طبيعية، تعبر عن طبيعة الذات في حال كمالها. حتى ما يظن أنه صعب على النفس الإتيان به ما أسهله عليها لو توافر الباعث عليه. وعلى فرض أن النفس تأتي بأفعال تعافها وتكرهها، كيف يأتي العون من الخارج؟ كيف يأتي المؤله المشخص ليصحح وضعا خاطئا كان من السهل أولا عدم إيجاده؟ كان من الممكن أن يأمر بفعل تحبه النفس وتميل إليه بدل أن يأمر بفعل تعافه النفس، ثم يخلق الدواعي للعون عليه! قد يحدث أن يأتي الإنسان بفعل مكرها عليه، ولكن في هذه الحالة لا يكون فعلا حرا، ولا يعبر عن طبيعته لأنه يفعله رغما عنه بلا شوق أو فرح وبلا ارتياح أو حماس. حتى لو أتى الإنسان به فإنه قادر على أن يأتي بفعل حر، وبإرادته المستقلة، وفي هذه الحالة يصبح الإنسان نفسه موضوعا للإرادة أو مقدورا للقدرة. إن جعل خاطر الإقدام من النفس بطبعها يمنع كونه بفعل خارجي. ولكن النفس ليست عالما قائما بذاته، بل هي وجود اجتماعي، وما يجعلها تقدم أو تحجم هو باعث اجتماعي. أما إذا تشخص الخاطران، وأصبح داعي الإحجام شرا مشخصا وداعي الإقدام خيرا مشخصا؛ يصبح الإنسان ألعوبة بين شخصين، كل منهما يود أن تكون الغلبة له. وسواء غلب هذا أم ذاك فالإنسان في كلتا الحالتين هو الخاسر لأنه هو الفاقد حريته، المسلوب إرادته، يفعل فيه ولا يفعل؛ لذلك قد ينكر البعض الخاطر كلية. ويكون الإنكار في هذه الحالة إنكارا للخاطر بفعل خارجي، ويكون الخاطر حينئذ هو الباعث النفسي أو الدافع على الفعل الذي ينشأ من موقف نفسي واجتماعي.