تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

87

والحقيقة أنه لا وسط بين الجبر والحرية. الكسب نفسه صورة أخرى من صور الجبر، أقل عقلانية وأضعف نظرا.

88

ومع ذلك يظل للجبر ميزة هي وضوحه النظري؛ فالمعبود خالق أفعال الإنسان. أما الكسب فإنه وإن كان يشارك الجبر إلا أنه يحاول الخروج منه فلا يستطيع. ويظل يدور حول الألفاظ والأسماء دون معان أو مسميات حتى لقد أصبح الكسب مثالا للغموض والصعوبة وعدم الوضوح فقيل: «أصعب من الكسب».

89

الكسب لا يختلف عن الجبر في أي حال، بل إنه خرج من الجبر ليكون أكثر اتفاقا مع العقل ولكي يكون هناك أساس للتكليف والمدح والذم ثم صار الكسب أكثر تعارضا مع العقل. وأصبح الجبر القديم بالنسبة إلى الكسب أكثر اتفاقا مع العقل لأنه على الأقل أوضح وأصرح.

90

وكثيرا ما يثبت الكسب بطريقة إثبات الطرفين دون أية محاولة لبيان الأساس العقلي للجمع بينهما.

91

وقد يثبت الكسب بإثبات طرفي النقيض دون أي أساس نظري أو تحليل عقلي لوجه الجمع وكأن الأمر واضح بذاته. وهذا أكثر أمانة لأن أية محاولة نظرية يسهل تفنيدها عقلا وواقعا، حسا ووجدانا، فيترك الأمر تعبيرا عن مقتضيين، إثبات حق المؤله المشخص وإثبات حق الإنسان. ولما كان الكسب لا يعني إلا الجبر فإنه ينتهي إلى إثبات حق المؤله المشخص دون حق الإنسان.

92

والجمع بين الجبر والاختيار بصورة مجردة خالصة وعلى أساس منطقي لا يحكم على الفعل بشيء مثل جواز وقوع حكمين مختلفين على شيء واحد من وجهين مختلفين. فهذا منطق الجهة الذي لا يفيد في الحكم على الفعل ووصف نشأته وتمامه. فالفعل في الواقع لا يكون إلا فعلا من قادر واحد، ولا يكون له إلا قصد واحد وغاية واحدة ومحل واحد .

93

والكسب وسيلة لجعل مقدور لقادرين، والبرهان على ذلك الفرق بين الحركة الإرادية وحركة المرتعش؛ الأولى تثبت الإرادة والفعل والقدرة، والثانية تثبت الجبر مع أنها حركة عضوية خالصة طبقا لقوانين الطبيعة الحية، ولا تثبت أية قدرة خارجية.

94

ويستحيل إثبات مقدور لقادرين؛ فالمقدور واحد، والقدرة واحدة، والقادر واحد. ولما كان الإنسان بالتجربة يشعر أنه القادر فهو خالق أفعاله. لا يمكن في هذه الحالة أن يكون القادر هو الله لأنه الخالق؛ لأن هذا استدلال وليس تجربة، حق كلي وليس فعلا جزئيا. إن إثبات جواز مقدور واحد لقادرين على البدل محاولة لإعطاء الطرفين حقهما، حق الذات المشخص وحق الإنسان الحر. ولكنها تؤدي إلى مشاكل أعظم مثل مساواة الإنسان بالله، وهو ضد عواطف التأليه، وجعله قادرا على ما يقدر عليه، وهو أيضا ضد تمييز الإرادة المطلقة.

95

فإن ثبتا حكما لوجهين يكون السؤال: من أي موقف يصدر الحكم، من الله أم من الإنسان؟ ولما كان المتكلم إنسانا، فإنه لا يستطيع أن يصدر حكمه إلا بناء على الموقف الإنساني فيرى نفسه قادرا.

96

ويحاول الكسب أن يكون وسطا بين الإيجاد والخلق، ولكن يظل كل وسط أقرب إلى طرف منه إلى الطرف الآخر، ويظل الكسب أقرب إلى الإيجاد منه إلى الخلق.

97

وهناك فرق بين الخلق والكسب؛ فالخلق موجود بإيجاد الموجد يلزمه حكم وشرط. الحكم هو ألا يتغير الموجد بالإيجاد فيكسبه صفة ولا يكتسب عنه صفة، والشرط أن يكون عالما به من كل وجه. أما الكسب فهو المقدور بالقدرة الحادثة ويلزمه أيضا حكم وشرط. الحكم أن يتغير المكتسب بالكسب فيكسبه صفة ويكتسب عنه صفة، والشرط أن يكون عالما ببعض وجوه الفعل. ويبدو أن الكسب هو جمع لعدة أفكار دون رباط عقلي أو اتساق. وهي صفة كل الأفكار الوسطية لإرضاء جميع الأطراف. وقد اختلف في تعريفها وفي عرضها. يحاول الكل الاقتراب منها ووصف كيفية الجمع بين هذه الأطراف المتعارضة. يقوم الكسب أحيانا على أمور أربعة: إرادة سابقة، وقدرة، وفعل، ورابطة بينهما. فالكسب هو فعل القدرة الحادثة أو فعل الإرادة الحادثة. وما يهم في هذا التعريف أن يكون الفعل حادثا مخلوقا، أي تابعا لقدرة أو إرادة أخرى. وهذا يعني وقوع المقدور دون انفراد بالقادرية؛ فالكسب لا تأثير فيه لقدرة الإنسان.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٣٦