تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

79 (2) نظرية الكسب

مع أن الكسب هو النظرية الثالثة تاريخيا بعد الجبر وخلق الأفعال، يحاول الجمع بينهما على التوسط، إلا أنه هو الخطوة الثانية لأفعال الشعور الخارجية كما كان الحال في أفعال الشعور الداخلية في الحلول المتوسطة لأنه يحاول الخروج من الجبر والاقتراب من خلق الأفعال بصرف النظر عن مدى نجاح المحاولة. والقول به اتجاه عام لا يميز طائفة عن أخرى وإن كان أصبح ممثلا لكبراها ومميزا لها، وبالتالي أصبح مرادفا لعقائد الجمهور، وعقيدة رسمية للدولة.

80

وقد ظهر الكسب في العقائد المتأخرة وكأنه النظرية التاريخية الدائمة والنظرية الدينية الشرعية التي لا يستطيع أحد الخروج عليها، طبقا لعقائد أهل السنة، استسهالا للأمر؛ فالعقائد المتأخرة عندما غاب عنها الأساس النظري لم يبق منها إلا هذه النظرية التي تخاطب الإيمان ويسهل عرضها بالعقل،

81

أو تملقا للجماهير لأنها تزايد على الإيمان مثل الجبر أو دفاعا عن السلطة ما دامت الأولوية للقدرة ليست للإنسان، وما دام الإنسان مازال تابعا للإرادة الخارجية. والنظرية بالنسبة إلى الجمهور تعطي له الحسنيين معا، الله وذاته، وتجعل الله عمادا لذاته وأساسا لها، ومن ثم يجد له مستقرا ومتاعا، ويركن إلى ركن أمين. (2-1) تعريف الكسب

هل نظرية الكسب منفصلة عن عقيدة الجبر؟ إن الكسب في الحقيقة لا يختلف عن الجبر، وهو يوضع في كثير من الأحيان معه.

82

يعتمد على التحليلات نفسها التي يعتمد عليها الجبر؛ فإثبات أحدهما يسهل إثبات الآخر، ونقد أحدهما يسهل نقد الآخر. وتتوقف كثير من تحليلات الكسب عند إثبات خلق المعبود للأفعال دون اعتناء بإثبات الكسب وكأن إثبات خلق الأفعال للمعبود وإثبات الكسب للإنسان شيء واحد مما يدل على أن الكسب مجرد تنوع صغير داخل الجبر. يبدأ الكسب بمسلمات الجبر وبقضيته الأولى وهو لا خالق إلا الله ولا فاعل إلا الله ، سواء كان من أكساب العباد أو من غير أكسابهم وكأن الأمر مجرد تغيير لفظ بلفظ أو إعطاء الإنسان الفتات إيهاما وخداعا.

83

بل إن لفظة الكسب قد لا تعني شيئا على الإطلاق إنما أريد بها التمويه على الجمهور أنها تفيد شيئا غير الجبر وهي في الحقيقة لا تفيد إلا الجبر.

84

الكسب اسم بلا مسمى، لفظ بلا معنى، كلمة تشير إلى لا شيء، وتكشف عن مجرد الرغبة في إثبات الجبر بطريقة ملتوية توحي بأنها لا تنفي خلق الإنسان لأفعاله وإثبات مسئوليته عنها. فهو مجرد وسيلة للقيام بتفكير مقنع يكشف عن موقف نفاق على عكس خلق الأفعال كموقف عقلي صريح.

85

كذلك يمكن استعمال حجج الجبر تأييدا للكسب، وحجج الكسب تأييدا للجبر. كما يمكن تفنيد حججهما معا بالطريقة نفسها؛ نظرا لتداخل النظريتين.

والحقيقة أن الكسب نظرية في الجبر لأن كليهما ينفي استقلال قدرة العبد وتأثيرها في العالم أو أنها تؤثر بفضل سبب أعلى، وتسلسل الأسباب إلى أن يصل إلى السبب الأول؛ لذلك يقوم تصور العالم عند الفلاسفة أيضا على الجبر نظرا لرفض واجب الوجود المشاركة في أفعاله؛ ومن ثم استبعاد الحرية الإنسانية. توضع إذن نظريات الفلاسفة في الصدور والثنوية في ثنائية النور والظلمة والمنجمين في الأفلاك مع الجبر. ويكون الجبر هنا علاقة بالكون أكثر منه علاقة بالسلوك الإنساني.

86

لا يقوم الكسب على القدرة المؤثرة أو على الإيجاد؛ لذلك يكون أقرب إلى الجبر منه إلى الاختيار لأنه معلق على شرط لا دخل لحرية الاختيار فيه وهي القدرة التي توجد في الإنسان إلا إذا كانت هذه القدرة نابعة من باطنه: القفز على العمل، رؤية للغاية وقد تحققت بالفعل، استعداد للتضحية والتوتر في اللحظة، الخلق المستمر الناشئ عنها. وكأن الكسب كان مجرد وسيلة للهروب من المشكلة لما كان الله هو الخالق والعبد هو الفاعل. وقد اقترن في العقائد المتأخرة بالجبر وكأن الكسب أحد نتائجه أو أحد فروعه أو أحد تطبيقاته. ربما كان الكسب في البداية؛ نظرا لقوة خلق الأفعال وحرية الاختيار، يعترف بتأثير القدرة. أما الكسب في العقائد المتأخرة فإنه يقوم على القدرة غير المؤثرة وبالتالي لم يعد هناك فرق بينه وبين الجبر. قد يكون الفرق بين الجبر والكسب أن الجبر لا يثبت قدرة على الإطلاق في حين أن الكسب المتقدم كان يثبت للقدرة أثرا. أما الكسب المتأخر فهو أقرب إلى الجبر المتوسط فيثبت قدرة للإنسان ولكنها غير مؤثرة.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٣٥