تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

98

لذلك ينفي الكسب عن نفسه المشاركة؛ مشاركة الإنسان للمؤله المشخص في أي فعل من الأفعال؛ لأنه لا فعل له، والفعل كله للمؤله المشخص.

99

ونظرا لصعوبة وجود أي أساس عقلي لنظرية وسط تجمع بين الجبر والحرية، رغبة في إثبات الطرفين واقتضاء لكلا المطلبين؛ حرية الإنسان وحق المؤله المشخص، يثبت الكسب ويتوقف عن الحكم فيه لعدم الوقوع في الاضطراب العقلي والخلخلة النظرية. ويجوز التوقف عن الحكم في المسائل الموضوعة وضعا خاطئا حتى لا يدخل العقل في متاهات لأسئلة خاطئة وشباكها. ولكنه في هذه الحالة يكون رفضا للمسألة ذاتها دون إثباتها ورفض الدخول في الأساس العقلي للإثبات. التوقف عن الحكم العلمي هو رفض السؤال والجواب معا لا إثبات الإجابة ورفض البرهنة عليها؛ لأنه يكون قبولا بلا برهان.

100

وأحيانا تتحول عواطف التعظيم إلى النقيض. فإذا كانت الغاية من القول بالكسب إعطاء المؤله المشخص فعله والإنسان حريته، فإنه ينتهي إلى جعل المؤله المشخص كالحاوي أو اللاعب يظهر شيئا ويخفي أشياء، يبيح بسر ويكتم آخر، وبالتالي ينتهي التوسط إلى سر مغلق مستحكم.

101

ونظرا لصعوبة إيجاد حل وسط بين الجبر والحرية عقلا، فإنه يتم التوحيد بينهما بالإيمان. والإيمان ليس برهانا ما لم يكن إيمانا نظريا؛ فالعقل أساس الوحي. واللجوء إلى الإيمان تملق للعوام ومحو للفكر وإثبات للغموض. والعجيب أن يكون هذا موقف بعض حركات الإصلاح! وكيف يحدث إصلاح على أساس الإيمان دون العقل، والتقليد دون الفهم، خاصة لو كان الملجأ في النهاية هو التصوف الذي به يستطيع الإنسان هتك الأسرار ورفع الحجاب! صحيح أن العقل قد تتغلف بديهته، وقد لا يعطي معاني بقدر ما يستخدم الألفاظ. ومع ذلك فالبديهة ممكنة والعبارة الواضحة جائزة. ليس العقل هبة معطاة، بل إمكانية عقل تمارس بالنظر. ويمكن إثبات الحرية للجمهور إثباتا عمليا دون التقيد بالضرورة بالأساس النظري وتحليل الخبرات، حرية الدفاع عن الحق ، وحرية تقرير المصير، وحرية الحصول على الخبز. فهذا يمنع من التقليد لأن التقليد في ذاته محو لحرية الفكر والحركة.

102

ومع ذلك فالكسب في اللغة هو كل فعل يستجلب به نفع أو يندفع به ضرر، أي إنه لفظ يصف حياة الإنسان العملية فيما يتعلق بالمصالح العامة وبوسائل العيش. أما الكسب الاصطلاحي فلا معنى له، ولو كان له معنى مخالف للمعنى اللغوي لاصطلح عليه؛ فالكسب الأشعري ليس تصورا وليس مشتقا من المعنى اللغوي بل مجرد لفظ لا يدل على شيء إما لغة أو اصطلاحا.

103

الكسب الأشعري في ذاته غير معقول وليس له أي أساس نظري؛ لذلك لا يمكن حده لأن الشيء يعقل أولا ثم يحد ثانيا. ولا يقال إن إنسانا بعينه لم يعقله لأنه لم يعقله أي أحد على اختلاف المذاهب والفرق وطول الجد وقدم العهد. ولا يقال إنه عقل ولكنه لم يعبر عنه؛ فهذه وسيلة الضعيف الذي لم يعقل شيئا ويتحجج بصعوبة اللغة. وما أسهل التعبير عن الفكر الواضح بلغة واضحة. إنما تدل عدم القدرة على التعبير على أن الشيء المراد التعبير عنه إن هو إلا مجرد عاطفة أو انفعال.

104

إن أقصى ما يمكن معرفته من الكسب هو أنه لا يمكن معرفته إلا بالإضافة، أي بإضافة الفعل إما إلى المؤله المشخص وإما إلى الإنسان، في حين أن الشيء يجب أن يعرف في نفسه أولا قبل أن يعرف بالنسبة إلى غيره. وهذا مستحيل بالنسبة إلى الكسب؛ لأنه غير معقول في ذاته.

105

واعتبار القدرة مخلوقة لا يعطي أي أساس عقلي؛ لأن السؤال ليس نشأة القدرة ومصدرها، فذلك سؤال عام عن مصدر كل شيء بما في ذلك الإنسان، بل عن أثر القدرة وفعلها.

106

واعتبار أصل الفعل من المؤله المشخص ونوع الفعل من الإنسان؛ لا يجعل الكسب أكثر وضوحا في معنى الأصل إذا كان هو القدرة فقد عاد إلى الجبر. وماذا يبقى للعبد من الفعل إن لم يكن صاحب القدرة عليه؟

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٣٧