73
إن الحرية تثبت في هذا العالم، وإثباتها أو إنكارها في عالم آخر لا يزيد ولا ينقص من ثبوت الحرية في هذا العالم بل يكون مجرد تشويش عليها وإفساح مجال للجبر الأخروي. وما فائدة إنكار الحرية في عالم آخر ما دام التكليف قد انتهى بانتهاء الحياة؟ حتى ولو أمكن تصور حياة أخروية كيف يمكن تصورها بلا حرية؟ وكيف ينعم الناس عندما لا يكونون قادرين بل عندما يكونون مضطرين حتى إلى النعيم الأبدي؟ حتى الجزاء لا يكون جزاء إلا إذا كان نتيجة فعل حر، ويكون الفعل حرا دون عصمة. فالعصمة أيضا جبر؛ لأن الإنسان لا يقدر على فعل الخطأ. والجبر في النعيم الأخروي عذاب النسبة للحرية في العذاب الدنيوي.
74
يبدو أن الاستحقاق كواجب عقلي جعل المثاب مضطرا إلى الثواب، والمعاقب مضطرا إلى العقاب، وهو اضطرار القانون. والحقيقة أن العالم الآخر ليس عالم فعل بل عالم ثواب، ليس عالم امتحان واختبار بل عالم يتم فيه حصر النتائج. ففي هذا العالم يتم الكشف فيه عن حصيلة الفعل بعد أن يكون قد تم كل فعل. (9)
ويبطل الجبر تعلق الفعل بالإنسان ووقوعه حسب دواعيه، وإلغاء البواعث على الفعل ومسئولية الإنسان عنه، بل القضاء كلية على الإنسان الفاعل الحر القاصد المحقق. فالجبر تسوية للإنسان بظواهر الطبيعة وتحويله إلى آلة تحقق مقاصد الغير.
75
يؤدي الجبر إلى نفي حرية الإنسان وقدراته وبواعثه ودواعيه وصوارفه، وأهدافه ومقاصده وغاياته، وتخطيطه وتعلمه وتجاربه، وأخطائه ونجاحه وفشله، وسلبه حياته ووجوده، وفعله ورسالته وكل شيء، وإبداعه وخلقه وفنه وشعره، وجهاده ونضاله. وإذا كان كل فعل حكمه قضاؤه، وأفعاله ليست معللة بغاية أو سبب فإنها تصبح غير مفهومة ولا قصد لها ولا غاية ولا سبب، وهي الأفعال العشوائية المتناقضة التي تقوم على العبث والسخف واللامعنى والتناقض. ويؤدي الجبر إلى القول بالطبع وأن كل إنسان يفعل ما هو مطبوع عليه، وجوهر الطبع هنا هو الجبر في حين أنه إذا كان الطبع هو الطبيعة فإن الطبيعة حرة.
76
وينفي الجبر التولد في الطبيعة واستمرار القدرة لنفيه القدرة أصلا؛ وبالتالي ترك العالم وتوقف الفعل فيه.
77 (10)
ويؤدي الجبر في عقيدته الأم، القضاء والقدر إلى الرضا والاستكانة وقبول الخير دون زيادة، والشر دون نقصان. يصبح الرزق معدا من قبل، لا تغيير في وضع الإنسان ولا تبديل. يتم الرضا بالشر وقبوله وإيجاد العلل له كالامتحان والاختيار فالمؤمن المصاب، وينتهي الإنسان إلى تبرير الشر وتعقيله ثم قبوله والرضا به.
78
وبعد أن يتحول الجبر إلى موروث في الدين الشعبي تظهر سلبياته العملية ويختفي الحق الإلهي النظري الذي كان الدافع على صياغته. يصبح الجبر السبب الرئيسي في استكانة الشعوب ومنعها من الثورة والغضب والتمرد والمعارضة والدفاع عن الحقوق فتنتهي إلى الاستسلام والرضا، وقبول الأمر الواقع، وما به من فقر وجهل وتخلف وقهر، ما دامت الشرور والآثام واقعة حتما، لا يمكن تغييرها إلى نفع وصلاح. ويكون ذلك في الماضي والحاضر والمستقبل، في كل الزمان؛ ومن ثم تنعدم الثورة في الحاضر ولا يعد لها في المستقبل وتدان في الماضي، ويغيب النموذج التاريخي فيصبح الإنسان خارج الزمان والمكان وخارج التاريخ. معنى الرضا بالقضاء والقدر هو عدم الاعتراض على حكم الله السابق وإرادته الأزلية. وما أسهل بعد ذلك أن يأتي الحاكم ممثلا لإرادة الله ويطالب الناس بالتسليم والرضا والقبول فيمتنعون عن الاعتراض . وكأن الإنسان في مواجهة حاكم قاهر وسلطان جائر تجب مشيئته وإرادته مشيئة المحكوم وإرادته؛ وبالتالي يؤدي تبرير الشر على أنه خير، وتحريم السخط على أنه رضا إلى عدم الثورة على الظلم، ونهاية الغضب من القلوب، والثورة في الشعوب.