65 (7)
وفي تفنيد الجبر توجه إليه الحجج التي يعتمد عليها الكسب لإثبات الحرية وهي التفرقة بين حركة المرتعد والحركة الاختيارية لإثبات أولوية الحركة اللاإرادية وهي حركة المرتعش على الحركة الإرادية وهي حركة المختار. وهي حجة ذات شقين إما تثبت الجبر نظرا للحركة اللاإرادية أو تثبت الكسب نظرا للحركة الإرادية. ومع ذلك لا تميز عقيدة الجبر بين المستويات بين المضطر والمكتسب والمختار، بين الملجأ وما ليس بملجأ ووضع الأفعال كلها في قالب واحد وهو الاضطرار ثم الاضطرار من الخارج وليس من الداخل. وهناك فرق في السلوك. يحدث المضطر إما لعجز به أو فيه أو لصعوبة الإتيان بفعل في موقف لا يسمح بتحقيقه، وهو اضطراري يمكن معرفة علته. إذا زالت العلة زال المعلول. ويحدث المكتسب بالممارسة وبتكرار الفعل بالتربية داخل الجماعة الداعية. ويحدث المختار طبقا للباعث الأقوى نتيجة لاختلاف القيم بين الشدة والضعف في التمثل. يؤدي الجبر إذن إلى إلغاء المستويات وعدم التمييز بين الأفعال وإثبات أن العالم واحد والفعل واحد وبالتالي يمحى الفرق بين الله والإنسان، بين إرادة الله وإرادة الإنسان، بين قدرة الله وقدرة الإنسان، وجعل الله على مستوى الإنسان، والإنسان على مستوى الله في حين أن العقيدة والشريعة كلتيهما تقومان على التمييز بين المستويات.
66
في حين تثبت حرية الاختيار عندما تتم التفرقة بين المستويات، ويقضى عليها بإرجاعها كلها إلى مستوى واحد.
67
لذلك يخلط الجبر بين فعلين فعل التأليه وفعل الإنسان. فعل التأليه واجب نظرا طبقا لعواطف التأليه، وفعل الإنسان واجب نظرا وعملا. كما يعطي الأولوية لفعل التأليه على فعل الإنسان. وفعل التأليه هنا يعني الموقف الذي يمارس الإنسان فيه حريته، ثم ينكر فعل الإنسان ويثبت فعل التأليه وكأن الإنسان يضحى بحقه كلية في سبيل الإحساس بالغموض والتوهمات المستقبلية. ثم تفسير الأفعال وكل مظاهر الطبيعة بالعلة الأولى دون العلل الثانية؛ وبالتالي تنتهي حرية الإنسان كما يقضي على العلم. وبالرجوع إلى الفعل الإنساني وتحليل السلوك البشري يمكن اكتشاف أن الفعل الإنساني الحر ليس هو الفعل العقلي وحده بل فعل الشعور.
68
وكل إنكار لذلك إنما هو توهمات وأخطاء في استعمال الألفاظ مثل الجواز والصحة والتوهم. فالجواز قد يفيد الشك إذا كان المقصود به الفعل الإنساني، وقد يعني الصحة إذا كان المقصود به فعل التأليه؛ فكل لفظ يحتمل معنيين يصح أحدهما على فعل الإنسان والآخر على فعل التأليه.
69 (8)
ويقوم الجبر على إبطال العادات والعرف والمألوف. يفنده الإحساس بالحرية والشعور البديهي بالمسئولية، وما هو أساس للحياة الخاصة والعامة. فحدوث الحرية بالفعل في الواقع أكبر دليل على وجودها. وما الحاجة إلى إثبات شيء هو موجود بالفعل؟ كما أن الجبر إبطال لحكم العقل واعتماد على اللامعقول، ومنع السؤال والتساؤل والفهم، والاعتماد على السلطة والطاغوت والأسطورة.
70
مع الجبر تستحيل المعرفة؛ وماذا تجدي المعرفة ما دام العقل لا يتم بأساس نظري عن وعي وتدبر؟ وما الحاجة إلى العقل والبحث والنظر والإنسان مفعول فيه؟
71
والجبر شهادة زور؛ لأنه دفاع عن الذي يحتج بالجبر وينكر شهادة الحس والوجدان، ويقول غير ما يشعر به.
72
ويتجاوز الجبر حدود المعرفة الإنسانية، بداهة العقل والحس وشهادة الوجدان، فيمتد إلى العالم الآخر؛ وبالتالي يقع في خطأ مزدوج، الجبر في الدنيا والجبر في كل العوالم الممكنة الأخرى في الحياة أو بعد الموت. فالجبر في هذا العالم لا يؤيده عقل أو تجربة أو حياة. والجبر في العوالم الأخرى هو استمرار للجبر في هذا العالم حتى ولو كان في عالم أفضل يجد فيه الإنسان تعويضا عن عالم البؤس والحرمان، في عالم من النعيم والاكتفاء، ومن عالم الظلم والقسوة إلى عالم العدل والرحمة؛ فهو عالم نفسي مسقط مشخص يعبر عن حرمان الإنسان وضيقه بالظلم ورغبته في التعويض وأمله في الخلاص. وكل القوانين التي يتصورها الإنسان تحكم هذا العالم الآخر هي قوانين بالتمني.