تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما ينقص في التنزيه انتهاء الجبر، وهو بصدد حل توهم مشكلة الحق الإلهي المطلق ونيل الإنسان منها، إلى خلق مشكلة أعظم، وهو اعتبار الله مسئولا عن الشر والقبح وكل آثام العالم وأوجاع الناس ومآسي البشر؛ فهو خالق كل شيء وفاعله. وأمرنا بفعل القبيح من ظلم وجور وكذب. وكيف يكون الخير مطلقا وهو مسئول عن الشر في العالم؟ وكيف يصدر الشر عن الخير؟ لذلك أصبح موضوع تبرئة الله عن الشر أكثر إلحاحا في الجبر والكسب منه في الاختيار، بالرغم من أن الحسن والقبح العقليين نظرية مقارنة للاختيار.

55

وفي مقابل ذلك ينزع الجبر من الإنسان مسئوليته عن أفعال الشعور الداخلية من علم وجهل وظن واعتقاد، وهي أساس أفعال الشعور الخارجية، كما يسلبه مسئوليته عن أفعال الشعور الخارجية من عدل وظلم وحق وباطل، وقهر وتحرر، وفقر وغنى.

56

الجبر نفاق واحتجاج ومحاجة، وتهرب من الفعل والواجب بحجة الجبر؛ فالجبر نفي للحق وتهرب من المسئولية وتذرع بالقضاء والقدر، العقيدة الأولى في الجبر.

57 (6)

ويؤدي الجبر إلى قبح بعثة الرسل وعدم فائدتها وإبطال الغاية منها؛ فما دام الإنسان مجبرا على أفعاله، ففيم التنبيه والتبليغ؟ وفيم إرسال الأنبياء والرسل؟ وفيم إرسال رسول صادق؟ وكيف يمكن حينئذ التمييز بين الرسول و«إبليس»؟

58

كما يؤدي الجبر إلى إسقاط الشرائع وإلغاء التكاليف وعدم الالتزام بأي قانون ما دام الإنسان مجبرا على أفعاله. وهو ما حدث بالنسبة للصوفية ونقد الفقهاء لهم.

59

كما يؤدي على الأقل إلى قبح التكاليف ومنع القدرة. فما دام الإنسان مجبرا ولا قدرة له على إتيان أي فعل، ففيم التكليف الذي يتطلب القدرة على الإتيان به؟ كما يؤدي إلى قبح كل فعل بل وإلى استحالته ما دام الفعل يتطلب القدرة عليه. فالإنسان لو لم يكن مختارا لقبح تكليفه، والتكليف ليس تحصيل حاصل؛ فالإنسان قادر على الفعل ولا شيء مقررا عليه إلا في حساب عام للكون ومسار التاريخ وقانون حركة المجتمعات والشعوب. فلا يتم فعل إلا بوعي الأفراد وحركة الجماهير، وبقيادة رشيدة وبفكر عملي وبقانون تاريخ. ولا يقال إن التكليف مجرد داعية إلى الفعل الذي يخلقه الذات المشخص؛ لأن التكليف سيظل في هذه الحالة فائضا لا لزوم له ما دام الفعل مخلوقا من الله.

60

كما ينتهي الجبر إلى قبح الأمر والنهي، فما دام الإنسان مجبرا على أفعاله ففيم التوجيه نحو الفعل أو نحو عدم الفعل؟ فالأمر والنهي لا يوجهان إلا إلى القادر على الفعل.

61

وفي نفس الوقت لا يجوز الجبر تكليف ما لا يطاق ما دام الإنسان ليس هو الفاعل، وما دام الفعل ليس مرتبطا بحدود الطاقة الإنسانية.

62

وينتهي الجبر إلى إبطال النعمة أو الدعاء والشكر على التوفيق دون الخذلان. فما دام الإنسان مجبرا على أفعاله فإن لن يسأل التوفيق، ولن يسعى إلى الفعل، ولن يطلب الهداية، ولن يشكر إذا ما تحقق ما سأل وطلب ورجا.

63

كما يؤدي إلى إبطال استحقاق المدح والذم؛ فالمجبر على أفعاله لا يستحق المدح أو اللوم لأنه لم يحدث شيئا بفعله بل أحدثه غيره فيه. ولا يستحق الإنسان اللوم أو الثناء إلا إذا كان مسئولا عن فعله قادرا عليه. ولا يقال إن المدح والذم باعتبار المحلية لا باعتبار الفاعلية لأن المحال أفعال.

64

وأخيرا يؤدي الجبر إلى إبطال الثواب والعقاب على الأفعال. يحيلهما الجبر لعدم مسئولية الإنسان على الأفعال، ومن ثم إبطال الوعد والوعيد. ولا يقال إن الثواب والعقاب مجرد عادة، فالعاديات حوادث طبيعية لا دخل لفعل الإنسان فيها. أما الأفعال فهي تتأتى بفعل الحرية. ليست الأفعال إلا مجرد علامة على الثواب دون أن تكون هي المقررة للثواب والعقاب. ليس للعلامة أية دلالة خاصة لأنها يمكن أن تكون فعلا بل أي شيء آخر. العلامة إنكار للفعل كما أن الفعل المجازي إنكار له. الفعل حقيقة واعتباره مجازا هو فقط تغيير في لفظ الجبر.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٣٢