تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17

وفي العقائد المتأخرة يضمر العدل أمام التوحيد، والنبوة أمام الإلهيات والسمعيات، ولا يظهر إلا في نظرية الجواز. ولا يظهر في الأفعال، ويسقط موضوع الحسن والقبح.

18

ثم يظهر موضوع التنزه عن الغرض ضمن أفعال العقائد كلها تحت شعار التوحيد، ويظهر استغناؤه ونفي الغرض في أفعاله ونفي الوجوب عليه، وهي موضوعات الحسن والقبح، ثم افتقار الغير إليه في وجوب الوحدانية من أوصاف الذات والعلم والقدرة والحياة والإرادة من صفات الذات من أجل إثبات عموم الإرادة وشمول القدرة على الإنسان والطبيعة معا. وقد تدخل مسائل العدل دون أن يذكر الاصطلاح في نظرية الجواز مع الرؤية ومع الحسن والقبح العقليين أولا، ثم مع كون الحادثات كلها مرادة لله ثانيا، كما كان الحال أولا. ثم يظهر باب آخر يحتوي على أركان أربعة تتناول موضوع خلق الأفعال.

19

فكأن الحسن والقبح العقليين يبدآن العدل وينهيانه. وعندها تصبح العقائد كلها داخلة في نظرية الوجوب والاستحالة، أربعون عقيدة، عشرون للواجب وعشرون للاستحالة تظهر مسائل العدل في العقيدة الواحدة والأربعين.

20

وفي بعض العقائد المتأخرة تضم مسائل العدل كلها في عقيدة واحدة من خمسين عقيدة، وهي عقيدة، فيما يجوز على الله.

21

والحقيقة أن وضع موضوع خلق الأفعال أي حرية الأفعال وعقله وبالتالي مسئوليته في أحكام الجواز يكشف عن ضياعها كلية وإخراجهما عن الوجوب؛ فالحرية والعقل محتملان وليسا ضروريين، وهما في الحقيقة يدخلان في الوجوب. فحرية الإنسان وعقله واجبان، أو في الاستحالة أي استحالة إلغاء الحرية والقضاء على العقل. وبالتالي تنقسم أحكام العقل إلى اثنين فقط، هما الوجوب والاستحالة وإخراج موضوعات الجواز، سواء الرؤية أو الأفعال بقسميها، الحرية والعقل. أما إذا كان الممكن في النهاية ليس حكما عقليا بل عملية إيجاد، وتحقيق للمشروع الإنساني، أي عملية تحرر، عملية وجودية، صيرورة عملية، قد يكون الإنسان حرا وقد لا يكون، قد يكون عاقلا وقد لا يكون، فإن وضع خلق الأفعال في الجواز يكون ممكنا بهذا المعنى كوصف لأفعال الإنسان وحريته وليس كدفاع عن الله وحقه المطلق في العلم والإرادة والقدرة. (2) موضوعات خلق الأفعال

خلق الأفعال إذن أحد مسائل العدل، ولكنه لا يبدو مستقلا متميزا عن باقي المسائل في العدل والتي تضم موضوع الحسن والقبح العقليين. بل إن بعض المسائل تظل متداخلة بين الموضوعين، يصعب معها استقرارها في أي منها مثل مسائل التوفيق والخذلان والهداية والضلال والعون والتيسير والعصمة والطبع والختم، والاستثناء في الإيمان، والآجال، والأرزاق، والأسعار التي هي حلقة الاتصال بين الموضوعين، بين حرية الإنسان ومصلحته. يشمل العدل إذن خلق الأفعال وما يتعلق بها من جبر وكسب واختيار واستطاعة وتولد، ثم الإيمان وما يتعلق به من هداية وتوفيق وعون ولطف أو طبع أو ختم أو خذلان، ثم الآجال والأرزاق والأسعار، ثم الحسن والقبح والأصلح ثم التكليف وما يتعلق به من أمر ونهي، ثم بعض الأبحاث الطبيعية الناتجة عن فعل الإنسان في الطبيعة، وأخيرا الوعد والوعيد وعذاب الأطفال والبهائم والعوض. وكلها تدخل في موضوعات منفصلة بالرغم من اجتماعها معا في خلق الأفعال، والتعديل والتجوير، والوعد والوعيد، والإيمان والعمل. وقد يدخل فيها موضوع النبوة كما هو الحال في العقائد المتأخرة عندما ألحقت النبوات بالسمعيات. بل قد تظهر أفعال الشعور الداخلية ومسائل الكسب والاستطاعة ضمن التوحيد في مساق الإرادة.

22

ثم تظهر من جديد مع ثلاث مسائل كفروع لعلم التوحيد وهي الخلق والإرادة والشفاعة والرؤية.

23

وفي هذه المسألة تظهر أساسا أفعال الشعور الداخلية وكأن أصل العدل قد انبثق من أصل التوحيد، وأنه ما زال في مراحله الأولى حيث يتداخل العدل مع التوحيد محاولا التحرر منه، ويتداخل التوحيد في العدل محاولا إعادة له. وكما تداخلت أوصاف الذات وصفاتها وأسماؤها تتداخل أيضا الذات، أوصافا، وصفات، وأسماء مع الأفعال. ويظهر العدل كأحد أوصاف الذات مرة سلبا في إحالة الحجر عليه ومرة إيجابا في أنه صانع الحوادث كلها ضد الدهرية والثانوية والمجوس والفلكية والطبائعية والمعتزلة.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٣