تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد بدأ التوحيد أولا ممثلا في نظرية الذات والصفات والأفعال متضمنا العدل قبل أن يتحول العدل إلى أصل مستقل على يد المعتزلة. ففي العقائد المتقدمة لا يظهر أحيانا موضوع خلق الأفعال، سواء أفعال الشعور الداخلية أو الخارجية، أو أفعال الشعور في الطبيعة. وتختفي كلية مسائل الحسن والقبح وكأن أصل العدل كان متضمنا في أصل التوحيد في الوعي الحضاري الأول فلم يكن له الأهمية نفسها التي كانت لقضايا التشبيه والتنزيه.

4

وأحيانا يدخل خلق الأفعال وأصل العدل كله في باب أفعال الله، ولكن في موضوع الحسن والقبح الذي يبتلع خلق الأفعال.

5

وفي العقائد المتقدمة يظهر الرضا بالقضاء والقدر مع الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل والبعث، كما تظهر موضوعات الكسب والإيمان متداخلة مع الأفعال.

6

كما تظهر متناثرة في إحصاء عقائد أهل السنة ورفض المعتزلة لاتهامهم بإثبات قدرة العبد على خلق الشر كالمجوس، وأن الله يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء، وأنهم قادرون على الأعمال.

7

وتظهر أفعال الشعور الداخلية في الإرادة،

8

وأفعال الشعور الخارجية في أعمال العباد والاستطاعة. وتضم إليها مسائل العدل والتجوير.

9

وفي النهاية تذكر الروايات في القدر.

10

وأحيانا يسمى الموضوع كله القدر.

11

وتدخل مسألة خلق الأفعال تحت موضوع القدر؛ لأنه كان من أوائل الموضوعات التي أثيرت في ذهن الجماعة إثباتا أو نفيا. وسواء ظهر نفي القدر أولا، ثم إثباته كرد فعل على الأول أو ظهر إثبات القدر أولا ثم جاء نفيه كرد فعل، فالحقيقة أن الإثبات والنفي كل على حدة يشكل رد فعل على الآخر بصرف النظر عن أولوية الظهور في الزمان.

12

وفي خلق الأفعال قد يثبت الخلق العام للطبيعة وللأفعال معا ويتم نقل قدم العالم من نظرية الوجود إلى نظرية الأفعال.

13

أحيانا لا يظهر خلق الأفعال كموضوع مستقل سواء داخل العدل أو خارجه، بل يتحول إلى جزء من التوحيد في نظرية الأفعال ويصبح التوحيد شاملا لموضوعات ثلاثة، الذات والصفات والأفعال، بعد أن كان شاملا لموضوعين اثنين فقط: الذات والصفات. وقد حدث هذا الاحتواء؛ احتواء التوحيد لخلق الأفعال في علم الكلام المتأخر بعد القضاء على التيار النظري وسيادة التيار التقليدي؛ فانزوى موضوع خلق الأفعال حتى احتواه التوحيد في النهاية. وأصبح المبدأ والأساس هو أن الله خالق لأفعال العباد وأن الفرع الدخيل هو أن الإنسان خالق أفعاله وأنه يناهض الخلق الأول ويعارضه ويرغب في الحصول على ما ليس من حقه بعد أن كان الموقف في علم الكلام المبكر أن خلق الإنسان لأفعاله هو المبدأ والأساس ثم منازعة المؤله للإنسان في أخص خصائصه، وسلبه إياه على يد السلطة السياسية القائمة ولصالحها. ومن ثم غابت حرية الإنسان تحت وطأة إلهيات السلطة.

14

وأحيانا أخرى لا يظهر الموضوع بتاتا ولا يذكر عنه شيء؛ لأنه فقد أهميته؛ فقد ضاع إحساس العصر المتأخر بالفعل الحر، فغاب الموضوع في مصنفات أهله. ويسقط موضوع خلق الأفعال بتاتا في العقائد المتأخرة، ويخلو المكان للإلهيات. ففي العقائد المتأخرة يضم التوحيد كل شيء، وتصبح أفعال العباد جزءا من التوحيد بما أن الله خالق كل شيء، ومريد لجميع الكائنات.

15

يختفي باب العدل من العقائد المتأخرة تحت وطأة التوحيد والنبوة أي الإلهيات والسمعيات، ويعم رفض الأسباب العادية وإثبات القضاء والقدر نظرا لإثبات سبق القدرة والإرادة والعلم؛ حيث لا يفتقر الله إلى أحد سواه، ويكون كل ما عداه مفتقرا إليه في شرح العقائد المتأخرة لقول «لا إله إلا الله».

16

وفي بعض الموسوعات المتأخرة تظهر بعض موضوعات العدل بعد التوحيد، مركزة كلها في معنى القضاء والقدر، وهي العقيدة التي استمرت في وجدان الأمة حتى جيلنا هذا.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٢