ومن الإسعاد والإشقاء تنبثق أمور الخذلان والإضلال، والتوفيق والهداية، وكأن العقائد المستقاة من عقيدة القضاء والقدر التي هي لب عقيدة الجبر تتغلغل في أفعال الشعور الداخلية تغلغلها في أفعال الشعور الخارجية، وربما أيضا في أفعال الطبيعة والمجتمع والتاريخ. وهي كلها مجرد إحساسات وعواطف وانفعالات، أي أوهام وتخيلات وتمنيات، ولا شأن لها بصفة التكوين. إنما تقوم على الجهل بالأسباب وبالأوضاع النفسية والاجتماعية للأفراد والجماعات. إن القول بأن الله هو الموفق للإيمان والعمل الصالح أو هو الخاذل للكافر وليس قدرة العبد إنما يعني عند العامة مجرد قانون كوني عام أشمل من سلوك الأفراد، ويعني عند الخاصة مجرد مأثور شعبي يعبر عن الدين الشعبي، ولا ينفي في الواقع حقيقة اختيار الإنسان.
34
ويتم ذلك عن طريق صدق الوعد وليس عن طريق الحق المكتسب، وحتى يكون الوعد صادقا في حياة البشر. إن الوعود تخلف، وصدق الوعد الإلهي قلب لخلف الوعد البشري وتعويض عنه. (1-3) حجج الجبر
ما أكثر الحجج النقلية التي يمكن لأي مذهب أو عقيدة أن يجدها تأييدا له وتأسيسا لنفسه عليها. وكلها ظنية نظرا لارتباطها بأسباب النزول وبالناسخ والمنسوخ وبقواعد اللغة وبأصول التفسير على ما هو معروف في نظرية العلم. والغالب عليها روايات أسطورية يتضح فيها الخيال الشعبي مع أن غاية الحديث عملية صرفة في بيان المجمل أو تفصيل أوجه السلوك. كما أن حجة الإجماع أو الصحابة أو السلف أو الصوفية إنما هي حجة سلطة، سلطة الجماعة التي تحظى باحترام وتقدير في الوعي الشعبي. وهي في النهاية حجة سلطة وليست شاهد حس أو دليل عقل أو شهادة وجدان.
35
ولكن الأهم هي الحجج العقلية التي يمكن التحقق منها ومراجعتها ومقابلتها بالحجج واستعمال البرهان. ويقوم الجبر على أسس عقلية واهية يقوم معظمها على استحالة الضد. وهي معظمها أسس لا تثبت شيئا إيجابيا بقدر ما تثبت استحالة الضد؛ فهي تقوم على برهان الخلف أي إبطال النقيض لإثبات الشيء مثل: (1)
التوهم بأن إثبات الفعل الإنساني في المستقبل أو المشترك مع فعل المؤله المشخص يؤدي إلى الشركة، والشركة تؤدي إلى الشرك؛ لأنه لا فاعل في
الحقيقة إلا المؤله المشخص.
36
والحقيقة أن اعتبار الفعل الإنساني مزاحمة ومشاركة للفعل الإلهي رفعة من شأن الإنسان وحطة من شأن الله وكأن الإنسان والله أصبحا طرفين متماثلين، ندين متعادلين يتنازعان فعلا واحدا وهو ما يعارض التنزيه. وليس حطة في الله أو انتزاعا لحقه أن يكون الإنسان هو الفاعل الحق ما دام الله خالق كل شيء ومالك كل شيء. وليس عظمة لله أن ينازع الله الإنسان فعله ويسلبه إياه ويغتصبه منه. إن هذه الحجة ليست فقط رفضا للحرية، بل أيضا رفض للكسب لأن الكسب يعني المشاركة بين الله والإنسان في فعل واحد. كما تقوم الحجة على المصادرة على المطلوب لأنها تقوم على مسلمة سابقة وهي أنه لا فاعل حق إلا الله وهو المطلوب إثباته. وقد أعاد علم الكلام المتأخر تحقيق الكلام المتقدم وانتقد خطابيته وزاد من أحكامه العقلية تحت تأثير الفلسفة التي أعطته دفعة جديدة نحو العقلانية وأعادت صياغة الحجة نفسها في شعب ثلاث. الأولى استحالة مقدور بين قادرين نفيا للشركة. ولكن حتى في هذه الصياغة، لماذا يضحى بقدرة الإنسان كي تثبت قدرة الله ولا تثبت قدرة الإنسان وهو الأقرب لبداهة الحس وواقع المشاهدة؟ والثانية استحالة جواز التأثير في الفعل وإلا جاز التأثير في الوجود. والحقيقة أن القدرة الحادثة وهي قدرة الإنسان ليس القصد منها إيجاد الأشياء بل توجيهها وإعادة نظامها. وليس هدفها تغيير الطبائع بل صورها، أو تبديل الجواهر بل أعراضها. وتوجيهها إلى الطبائع والجواهر مجرد مزايدة من أنصار الجبر على الإيمان. فما من أحد قادر على خلق الأشياء وإن أمكنه إبداع صورها. والثالثة قدرة الباري على جنس ما أقدر عليه عباده. ومن الطبيعي أن يكون الله قادرا على جنس أفعال العباد. ولكن هناك فرق بين القدرة على الجنس والقدرة على الفعل الفردي؛ فالقدرة الصورية كلما كانت عامة وشاملة فإنها لا تتحقق بالفعل في الأفعال الفردية التي تتحقق بقدرة العباد. هذا بالإضافة إلى أنها مزايدة الكل على الجزء لا ينتج منها لا تنزيه لله ولا اعتزاز بالإنسان. وفي النهاية ليس المطلوب هو إعلان التحدي والمبارزة بين الله والإنسان، أيهما أقدر على تسيير الحوادث وإيجاد الكائنات؛ فالإنسان لا يدعي أنه خالق العالم أو موجده، بل هو مؤثر في مساره، وموجه لنظمه الاجتماعية.