تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

30

وقد ظهر ذلك بوضوح عند الفلاسفة في قولهم بالقضاء والقدر على مستوى الكون؛ فالنظام في الوجود أو في العالم متوجه إلى الخير لأنه صادر عن الخير، وتلك هي العناية الأزلية والإرادة السرمدية؛ فكان الخير داخلا في القضاء الإلهي دخولا بالذات لا بالعرض. ولما كان الله هو العالم عند الفلاسفة أصبحت مسئولية الله عن الشر عند الأشاعرة مسئولية الكون كله. والشر المطلق لا وجود له، وكذلك الشر بالذات لا وجود له إلا في اللفظ أو الذهن وليس في الوجود. وهو داخل في القضاء الإلهي بالعرض لا بالذات. والخير المطلق فهو في الطباع والخلقة، أما الخير الممزوج بالشر، فالتساوي بينهما لا وجود له، وغلبة الشر على الخير أيضا لا وجود لها. والموجود فقط هو الخير الغالب، وهو رنة تفاؤل لتجعل الفطرة خيرة بطبعها، وتنكر وجود الشر الوجودي؛ فالشر بالذات هو العدم.

31

أما الجهل والعجز والتشويه والوجع والألم والمرض والظلم والسرقة فكلها مظاهر نقص أي أوضاع اجتماعية يمكن تغييرها، أعراض طارئة وليست جواهر ثابتة. (2)

الإشقاء والإسعاد. وتنتج عن القضاء والقدر عقيدة أخرى تماثله قوة وانتشارا، وهو موضوع الإسعاد والإشقاء، وهو التعبير عن القضاء والقدر على مستوى الحياة الفردية والاجتماعية. هي الصورة الغالبة في العقائد المتأخرة نظرا لانتشارها في الدين الشعبي، وأثرها في الحياة الاجتماعية، والترويج لها سياسيا لدى النظم القائمة ومن خلال أجهزة الإعلام والمؤسسات الدينية. وأهمية مثل هذه العقائد المتأخرة أنها تكشف عن الوضع الحالي للأمة، بنائها النفسي ووضعها الاجتماعي. فالسعادة والشقاوة أزليان، مقدران من قبل، لا يتغيران ولا يتبدلان. «السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقى في بطن أمه!» وبالتالي استحال تغيير الأوضاع الاجتماعية ، استحال أن يصبح الشقي سعيدا أو السعيد شقيا، نظاما كونيا أبديا لا يتغير. والسعادة في الإيمان والشقاء في الكفر وليس في رحابة العيش وبحبوحة الدنيا. ولما كان الفقراء من المؤمنين فهم السعداء، والأغنياء من الكافرين فهم الأشقياء. يسعد الفقراء بفقرهم ويشقى الأغنياء بغناهم! يسعد المظلومون بظلم الظالمين لهم، ويشقى الظالمون بظلمهم للمظلومين! والعبرة بالخواتيم وليس بالفواتح، العبرة بالمآل وليس بالحال. لا يهم إن عاش الشقي شقيا بل يهمه أن يموت سعيدا، ولا يهم إن عاش السعيد سعيدا يكفيه أنه يموت شقيا! وتخاف العامة من الخاتمة وتستعد لها كما تخاف الخاصة من السابقة وتخطط لها. تحرص العامة على آخرتها حرص الخاصة على دنياها. وتكاد تجمع العقائد المتأخرة على ذلك، والخلاف بينها لفظي لأنها تعبر عن أوضاع نفسية واجتماعية شائعة وعامة في الأمة.

32

والإشقاء والإسعاد صفات تتعلق بالحياة الإنسانية لا مهرب منها، بالرغم من أنها الأقل سطوة من صفات الذات والأكثر حدوثا وتغييرا واتصالا بأفعال العباد؛ فهي خلق أبدي من الله في الإنسان، ليس فقط خلق القدرة على الكفر والإيمان بل خلق الكفر والإيمان؛ فلا يبقى للعبد أي دور فيما يحدث له من سعادة أو شقاء. فإذا كانت الصفات قديمة فالإسعاد والإشقاء قديمان بقدمهما لارتباطهما بالتكوين، والتكوين صفة ذات. الإسعاد والإشقاء إذن أوضاع كونية كالخلق، في العلم الإلهي وفي الفعل الإلهي وفي الكون وفي الوجود الإنساني، أي في الأسس النظرية الكونية.

33

والسعادة والشقاء ليسا في الإيمان والكفر وحدهما بل في العمل الصالح أو الطالح؛ فالإيمان أو الكفر يمثلان النظر وحده دون العمل. والعمل الصالح أكثر اتساعا وامتدادا وانتشارا من العمل الشعائري الذي يعبر عن التقوى الباطنية أو الحياة الأخلاقية الضامرة. والإيمان والعمل اختياران وإن كانا ضمن العلم الإلهي السرمدي الذي يتحقق بتحقق الأفعال.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٢٥