37 (2)
إن وقوع أفعال دون العلم بها كليا أو جزئيا لا يعني تدخل إرادة خارجية في الفعل تقرر العلم به أو تحقيقه، بل يعني أن الإنسان كثيرا ما يفعل دون وضوح نظري كاف لأساس الفعل وغايته. صحيح أن الفعل الأمثل هو ما قام على أساس عقلي واضح وكاف له غاية وهدف، والفعل القائم على استبصار كل العوامل التي في ميدان الفعل حتى يتحقق الفعل بنجاح تام. ولكن هذه الإحاطة النظرية الشاملة بجميع العوامل المتداخلة في ميدان الفعل قد تكون نسبية أو مستحيلة، فيتأتى الفعل نسبيا أيضا بقدر المعلومات التي لدى الإنسان عن الموقف. ولكن بمجرد بدء الفعل يزيد الإنسان من معلوماته، بل ويغيرها طبقا للواقع الجديد غير المعروف أو يحدث علما في التو واللحظة. وهذا موقف سلوكي خالص لا يشير إلى تدخل أية إرادة خارجية عالمة بالموقف كله من قبل ومقررة له.
38
ويجوز إتيان الفعل بأساس نظري عام دون الإحاطة بجميع التفاصيل؛ فذلك لا يقدح في صحة الفعل أو في يقين النظر، خاصة ولو كانت تلك التفاصيل غير دالة أو مستحيلة أو خيالية مثل العلم بالسكنات المتخللة للحركات البطيئة! وكأنها حجة زينون في إبطال الحركة تستخدم هنا لإثبات الجهل! وكأن الفعل لا يحدث كواقع حيوي لا يتجزأ إلى حركات ساكنة.
39
يحدث الفعل في الحقيقة على علم حاصل بقدر الإمكان؛ إذ يصعب أو قد يستحيل الإلمام نظريا بجميع العوامل الداخلة في ميدان الفعل لاحتمال تدخل الجديد باستمرار. ولكن اعتمادا على سرعة البديهة وأخذ القرار، واعتمادا على القدرة على التكيف في إتيان الفعل يمكن التغلب على عدم المعرفة بالتفاصيل. والتفاصيل هي الدالة على الفعل المؤثرة فيه لا التفاصيل غير الدالة التي لا تؤثر في سريان الفعل. ولما كان الفعل يتحدد أساسا بالأفكار والبواعث والغايات وطبيعة الموقف، فإن ما سوى ذلك تفاصيل غير دالة مثل تركيب اليد أو لونها أو عدد شعيرات جلدها!
والفعل غير المقصود وغير المروي هو الفعل الأمثل. وأفعال المصادفة والحظ ليست أفعالا تقوم على علم مسبق. وأفعال المصادفة لا تثبت إرادة خارجية ، بل لا تثبت إلا المصادفة. وحتى لو كانت كذلك فكيف تكون أفعال عدم التروي والمصادفة دليلا على المؤله المعبود؟ (3)
ولا يعني العلم الشامل كصفة للمؤله إثباتا للجبر بأي حال؛ فبالإضافة إلى أن ذاته تشخيص لعواطف التعظيم والإجلال وليس له وجود واقعي في العالم، فإن وجود علم شامل لا يعني بالضرورة وقوعه. هناك فرق بين العلم والإرادة، بين النظر والعمل. ولكن قد يقال إن من صفات العلم الكامل تحقيقه، وإن التمييز بين العلم والإرادة أو بين النظر والعمل أو بين الممكن والواقع أو بين الماهية والوجود لا يحدث إلا في الإنسان. ففي هذه الحالة لا مفر من الوقوع في التشخيص.
40
والإخبار عن شيء في الوحي بأنه سيقع أو لن يقع لا يعني إثبات أي جبر على الحوادث؛ فهذا علم مسبق معطى للإنسان كي يقيم حياته ويحقق غايته على أساس نظري يقيني. فالوحي يعطي النظرية مسبقا حتى يكون الجهد كله للعمل. الإخبار عن شيء لا يعني حدوث الشيء، بل يعني يقينا نظريا مسبقا على الإنسان أن يحققه بفعله. إن معرفة الاشتراكي المسبقة بانتصار الطبقة العاملة لا تعني تدخل أية إرادة خارجية تنصر الطبقة العاملة، بل تعني إعطاء اليقين النظري اللازم حتى تقوم الطبقة العاملة بفعل الانتصار. إن إخبار الوحي بأن أمة ما هي خير أمة أخرجت للناس لا تعني أن هذه الأمة قد أصبحت كذلك بالفعل، بل تعني كشف إمكانية خالصة تتحول إلى حقيقة بفعل هذه الأمة وتحقيق شرطها.
41 (4)
ولا يعني وجود إرادة شاملة مطلقة إلغاء الحرية الإنسانية، فهذه الإرادة معلقة بذات هو في الحقيقة تشخيص لعواطف التأليه التي هي في حقيقتها عواطف تعظيم وإجلال، إما كتعويض نفسي عن هزيمة أو كائنات سلطة في مجتمع منتصر. ولو قيل إن إرادة المؤله إرادة في ذاته، ولا تعني وقوع إرادته بالضرورة على نحو إنساني لم تعد الإرادة على مستوى الكمال. فالإرادة الكاملة هي الإرادة في الذات وفي الغير على السواء. والإرادة في الذات دون الغير إرادة ناقصة. وكيف يمكن تصور إرادة نظرية دون إرادة عملية؟ الإرادة الشاملة مثل العلم الشامل، كلاهما حق نظري لله لا ينفيان واقع الإنسان العملي كإنسان عامل ومريد.