1 (1-1) دوافع الجبر
تختلف دوافع القول بالجبر بين نفي الصفات أو إثباتها دفاعا عن التنزيه أو التشبيه أو بين التأليه دفاعا عن التجسيم؛ فالإيغال في التوحيد بصرف النظر عن كيفية تصوره يبعد عن العدل، وكأن الإيغال في التفكير في الله يبعد عن التفكير في الإنسان، وكلما زاد الإنسان اغترابا في التوحيد وابتعادا عن العالم فإنه يزداد ابتعادا عن العدل وخروجا عن العالم. كما تختلف دوافع الجبر بين التصلب والتشدد والتعصب بناء على موقف أصلي مبدئي تمسكا بالحق الشرعي وبالمقاومة الفعلية العلنية الخارجية وبين الاستسلام والإرجاء واللامبالاة والفتور طاعة للسلطان وقبولا للنظام القائم. فبالرغم من اختلاف المواقف العملية للفرق ومواقعها من السلطة إلا أنها قد تشترك أيضا في عقيدة الجبر، إما للمقاومة والشهادة أو للخنوع والاستسلام والرضا بالقضاء والقدر.
2
وقد ظهر من قبل أن إثبات الصفات يؤدي عادة إلى إلغاء الحرية الإنسانية، وأن إنكار الصفات يؤدي إلى إثبات الحرية الإنسانية. وكان غريبا أن يخرق هذا النسق، بأن أول من قال بالجبر هو من قال في الوقت نفسه بنفي الصفات وبنفي الحرية في آن واحد، ومن ثم ينكسر القانون الأول. والحقيقة أنه يمكن فهم هذه الحالة الفريدة مرة ثانية بناء على قانون ثان، وهو إثبات الذات ونفي الصفات. إذا طبق في التوحيد على الله ثبتت الذات المؤلهة دون صفاتها، وإذا طبق في العدل على الإنسان ثبتت الذات دون صفاتها لما كانت الحرية صفة. وإذا صح هذا القانون نظرا فإن حالة الإنسان لا تكون مماثلة لحالة المؤله. إذا كانت صفات الذات المؤلهة صفات له، فإن الحرية الإنسانية ليست صفة خارجية للإنسان يمكن إثباتها أو نفيها، بل تكون هي الإنسان ذاته. ومن ثم لا يؤدي هذا القانون الثاني، إثبات الذات ونفي الصفات إلى نفي الحرية الإنسانية بالضرورة لأن الحرية ليست صفة للإنسان، بل هي ذاته وجوهره ووجوده.
3
ويعني الجبر الناشئ عن نفي الصفات، ما دامت الحرية صفة للمؤله، أن المؤله هو خالق كل شيء بما فيه أفعال الإنسان، ما دامت مخلوقة.
4
بل إن تعبير «خلق أفعال العباد» تعبير جبري محض إذا كان القصد خلق الله لأفعال العباد وليس خلق العباد لأفعالهم بأنفسهم؛ ومن ثم لا تنسب أفعال الإنسان إليه إلا عن طريق المجاز.
5
ويعني الجبر أيضا أن الإنسان ليس له قدرة أو استطاعة أو كسب، بل يكون مضطرا إلى أفعاله، وهذه هي الجبرية الخالصة.
6
وقد يثبت الجبر بإثبات الصفات، ونتيجة له، خاصة صفتي العلم والقدرة، العلم الشامل والإرادة المطلقة. لا يحدث شيء في العالم إلا مقدرا من قبل في علم المؤله وسبق إرادته. إثبات الصفات للذات المشخصة يثبتها أفعالا في العالم. وإن من حق الذات المشخص المؤله أن تكون له الأولوية على ما عداه من ذوات وأفعال. والحقيقة أن إثبات الجبر نتيجة لإثبات الصفات إنما ينتج عن موقف مغترب من العالم وتقوى مزيفة تنم عن عجز وخنوع واستسلام ورضا، والقناعة بالوهم باسم التقوى والإيمان والمزايدة العاجزة فيه؛ فيتم إيثار أفعال التأليه على أفعال الإنسان. ومن أجل التخفي وراء عواطف التأليه ومن تحت قناع الإيمان، تتم التضحية بأفعال الإنسان، فلا يكون للإنسان قدرة أو استطاعة أو تأثير.
7
وقد تم التركيز على ذلك في العقائد المتأخرة، خاصة نفي تأثير الإنسان ونفي قوانين الطبيعة المستقلة إثباتا للصفات، خاصة القدرة والإرادة، تأكيدا لأوضاع العصر وقوى القهر وسلبا لقوى الإنسان وهدما لقوانين الطبيعة.
8
والسؤال للمتكلم المتقدم والمتأخر عمن يدافع؟ عن الله أم عن الإنسان؟ من الذي تهدد حريته وأفعاله، الله أم الإنسان؟ وقد بلغت المزايدة أن جعل الله مريدا لكل شيء كما أنه مريد لذاته ومراد من غيره. وهل الله موضوع؟ هل الله موضوع لإرادة الإنسان ومتعلق بها؟ وهكذا يسلب من الإنسان أخص خصائصه وهو خلق الأفعال ومسئوليته عنها بدون ثمن إلا إثبات عواطف التأليه والتأكيد على الإجلال والتعظيم تعبيرا عن انتصار جماعة السلطة وتحدثها بلغة المنتصر؛ لغة السيطرة والقوة والعظمة والجلال. وما الحكمة في جعل الإنسان غير خالق لأفعاله إلا الرغبة في السيطرة عليه وإملاء إرادة خارجية عنه.