83
وأفعال الشعور لا تتم إلا من إنسان في موقف محدد لا من فعل إنسان كامل مجرد . وهو إنسان يوجد بين عالمين، يتنازعه قطبان، إمكانية خالصة للحركة، للإقدام والإحجام. الإنسان صاحب أفعاله، لم يشأ منها أحد، سلبا أم إيجابا، طاعة أو معصية، ثوابا أو عقابا.
84
وبعد وقوع الفعل، كل رجوع إلى الوراء للبحث عن بدل أو تعبيرا عن تمن لما لم يحدث هو عملية شعورية خالصة لا تغير من الحدث الواقع ذاته. قد يؤخذ ذلك في الاعتبار في الحصول على تجربة للأفعال المستقبلية، ولكن إذا كان الأمر مجرد تمن لما لم يحدث وندم على ما حدث فهو إغراق في الخيال وإقرار بالضعف وعدم الثقة في المستقبل وتوقف للحياة. إن وجود الفعل يمنع من وجود ضده، وجود فعل الإيمان يمنع من وجود فعل الكفر لما كان الفعلان يمثلان احتمالين للشعور. فلا مجال للأفعال المزدوجة والمتناقضة والمتشابهة. إن الفعل بعد أن يتحقق يصبح تاريخا، ولا استدراك إلا بفعل آخر وإلا وقع الإنسان في الندم والحسرة والنهي والإحساس بالذنب عما تم أو العجز مما لم يتم، مما لا يغير من واقع الفعل شيئا.
85
ومع ذلك يجوز التمني من أجل عقد العزم على إثبات الفعل الثاني.
86
حرية الأفعال أقرب إلى العقل والواقع والشرع والتكليف؛ فالله لم يأمر بالشر بمعنى أنه لم يفعله بإرادته بل إنه فقط نبه عليه بالنهي عنه، وبالتوجه إلى إرادة الإنسان الحرة، كما أنه أمره بالخير ولم يجبره عليه، بل نبه وأشار إليه تاركا حرية الاختيار للإنسان، كما أنه لا يرضى بالشر ولا يريده، وإنما أيضا ينبه إليه من خلال النهي عنه والتحذير منه. إن الأمر بأفعال الشعور لا يعني الجبر عليه، بل يعني مجرد التوجيه والإرشاد والتنبيه، والإنسان لديه القدرة على الفعل وعدم الفعل، ولديه العقل للتمييز بين الحسن والقبح.
87
إن خلق الإنسان لأفعاله ليس نظرية مستوردة من الخارج لم تنبع من صميم الوحي وموطن الإسلام. فتنزيه الله عن الظلم ضرورة عقلية كما أنها في أصل الوحي، ومسئولية الإنسان عن أفعاله ضرورة عقلية وفي أصل الوحي. إنما القصد من ذلك حصار المعارضة السياسية وإخراجها من قهر الأغلبية باسم إجماع الأمة.
88
| ثالثا: أفعال الشعور الخارجية
بعد أن تتحقق أفعال الشعور الداخلية وخلق الإنسان لها إثباتا لحرية الأفعال، تقوى الشخصية وتتوحد وتصبح قادرة على الانطاق من الداخل إلى الخارج، وتتحول أفعال الشعور من أفعال عكسية منطوية باطنية إلى أفعال مباشرة ممتدة خارجية. وتصبح أفعال «القلب» أفعال «الجوارح». ويتحول الشعور الخالص إلى بدن وجسم، وتتحول الحركة الداخلية إلى حركة خارجية. يصبح الشعور الخالص شعورا بالعالم؛ وبالتالي تتحقق أفعال الشعور ليس داخل الشعور فقط بل أيضا خارج الشعور في العالم. وبلغة القدماء يتم الانتقال من العقيدة إلى الشريعة، ومن الإيمان إلى العمل، ومن الإرادة إلى القدرة. وتظهر النظريات الثلاث نفسها التي ظهرت من قبل في وصف أفعال الشعور الداخلية، ونظريات الجبر والكسب وخلق الإنسان لأفعاله. يسمى الجبر عقيدة لأنه أقرب إلى العقائد منه إلى النظريات الفلسفية، حكم مسبق أو انفعال وضيق ليس له سند عقلي واضح أو تشهد له تجربة الوجدان، بل مجرد خطابة مكبوتة إلى الداخل. والكسب نظرية لأنها أقرب إلى النظريات الفلسفية المبنية نظريا عن طريق الجدل. أما خلق الإنسان لأفعاله فهي ليست عقيدة ولا نظرية، بل تجربة واقعية يشهد بها الوجدان، ووضوح نظري يشهد به العقل، وشرط تكليفي للأفعال؛ وبالتالي فهي أقرب إلى البرهان. (1) عقيدة الجبر
هل أفعال الشعور الخارجية جبرية؟ هنا تظهر عقيدة الجبر للإجابة بالإيجاب. وعقيدة الجبر لا توجد عند فرقة كلامية بعينها تسمى المجبرة بقدر ما هي منتشرة وعامة لدى عديد من الفرق، يجمعها القول بالجبر بالرغم من اختلاف الدوافع والبواعث والأسباب وبالرغم من اختلاف الحجج والأسس النظرية وبالرغم من تباين النتائج والآثار على السلوك الفردي والاجتماعي.