9
وكثيرا مما يقال تحصيل حاصل. فمن منا لا يقول بذلك اعترافا بالحق النظري؟ ولكن يستعمل أحيانا للإرهاب ومنعا للاعتراض وطلبا للتسليم وتفريغا للثورة وقضاء على التمرد.
وكما ينشأ الجبر بنفي الصفات في التوحيد، ثم نقل القانون إلى الإنسان بالمماثلة، ونفي الحرية باعتبارها صفة للإنسان، أو بإثبات الصفات، خاصة العلم والقدرة والإرادة على نحو مطلق، بحيث لا يحدث في العالم شيء، بما في ذلك أفعال الإنسان، خارجها دون علم أو بتدبير وتدخل منها. ينشأ الجبر أيضا من التأليه؛ تأليه الإنسان أو تأليه الإمام. فإذا ما تحول الإمام إلى إله وجبت له الطاعة المطلقة؛ لأنه يعلم كل شيء ويقدر كل شيء، ويطلع على خصائص العباد ويقرر أعمال الناس. وفي أساطير الخلق في التأليه يقرر الإمام المؤله أفعال العباد من قبل، ويقوم المؤله بالوظائف الإلهية في خلق كل شيء وتقديره مسبقا.
10
وكما ينشأ الجبر من التأليه في التوحيد ينشأ أيضا عن التشبيه. فاعتبار المؤله جسما، أي طبيعة، يجعله هو المسيطر على أفعال العباد باعتبارها أحد مظاهر الطبيعة.
11
ويظهر الجبر أيضا حتى عند الإمامية المعتدلة فما دام الإمام قد أعطى أكثر مما يعطي أي إنسان فإنه تكون له السيطرة على أفعال الآخرين.
12
وكما يكون الاضطهاد سببا في التأليه فإنه يكون سببا للجبر. ولكن قد يظهر الجبر في صورة تحرر ضروري؛ فالمجتمع المضطهد يبغي التحرر ورفع الظلم فيؤمن بالنصر الضروري وبالتحرر الواجب وبالخلاص كحتمية تاريخية. فهو جبر تاريخي مماثل لتحرر جبري. ولكن هذا التحرر سرعان ما يتحول إلى جبر لأنه يتم عن طريق الولاء المطلق والطاعة غير المشروطة للإمام المؤله. فالشيعة على اختلاف أصنافها غالية أو متوسطة أو معتدلة، من أنصار التأليه أو التجسيم أو التشبيه؛ تثبت القدرة وتنفي أن يكون فعل الإيمان فعل حر بإرادة الإنسان؛ فأفعال الجوارح وأفعال القلوب كلاهما من تقدير المؤله المعبود.
13
وتصبح أفعال الشعور الداخلية أفعالا مجبرة إذ تحولت إلى عمليات كونية وليست أفعالا فردية وكأن حتمية قوانين الأفلاك ومساراتها شاملة لأفعال البشر واختيارات الأفراد.
وقد ينشأ القول بالجبر في صورة القول بالقدر وإثبات علم الله الشامل وإرادته المطلقة على أفعال العباد، أفعال الجوارح وأفعال القلوب، من التعصب للإيمان ورفض كل حاجة عقلية فيه. وينتج عن ذلك أن القرار المتخذ أو الفعل المتحقق لا يكون فقط قرارا أو فعلا ناتجا عن أعمال الفكر أو شحذ الإرادة بل هو قرار أو فعل صادر عن علم أعظم وإرادة أشمل. وهنا يلتقي الضدان الجبر عن طريق الاستسلام المؤقت لحين ظهور الإمام، والجبر عن طريق الثورة والتمرد الفوري ومحاجة الإمام رأيا برأي، يلتقي السر والعلن، الخفاء والظهور.
14
والحقيقة أن الجبر هذه المرة مجرد لغة واصطلاح ووسيلة تعبير وطريقة في الحديث، ولا يفيد تصورا أو عقيدة كما هو الحال في الدوافع السابقة. كما أنه تعبير عن تقوى حقيقية وطهارة دينية وإخلاص وليس عن تقوى زائفة أو مزايدة في الإيمان. وظيفته استدعاء الإرادة الإلهية على الأعداء وبأن الله قاهر الظلم ومنصب العدل وثقة بالنصر. وهو أقرب إلى إجماع الأمة كما يتضح ذلك في الدين الشعبي؛ إذ إن الجبر بهذا المعنى هو العقيدة السائدة عند الجمهور والتصور الشائع والغالب على إيمان العوام دون جهاد مواز أو عمل مقارن؛ ومن ثم يضر أكثر مما ينفع، ويؤدي في النهاية إلى التواكل والسلبية واللامبالاة، وقد يكون مقرونا بالعمل عند بعض الخواص بناء على الحتمية التاريخية.
لذلك قد ينشأ الجبر من الطرف المقابل للتعصب في الاعتقاد، أي من اللامبالاة عن إصدار أي حكم على الإيمان أو على العمل. ولماذا الحكم وقد تم كل شيء، ولا يمكن تغيير ما وقع، وليس أمام الإنسان إلا إرجاء الحكم إلى حين؟ وما دامت المراجعة قد غابت والمساءلة قد انعدمت ففيم المسئولية؟ ولماذا الحرية؟ وفيم خلق الإنسان لأفعاله ما دام كل شيء مؤجلا إلى يوم الحساب؟