تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

74

وفي قوة الدفع المتولدة عن إثبات الحرية الإنسانية قد ينتهي الأمر إلى جعل الإرادة الإلهية تابعة للإرادة الإنسانية تسير وراءها وليس أمامها بعد فك الحصار والهرب إلى رحب الفضاء. عندئذ تكون الإرادة الإلهية مثل الإرادة الإنسانية محلا للحوادث، ليس فقط إثباتا للحرية الإنسانية، بل أيضا للوجود الإنساني، وأن المعبود ما هو إلا سجل لصيرورة البشر، وأن الفعل الإنساني هو الذي يسطر علم الله ومصدره بصرف النظر عن العلم الإلهي النظري الشامل لكل شيء ومسار الكون دون لحظاته وتقلباته.

75

بل إن الأمر قد يصل إلى جعل المعبود مطيعا لفعل الإنسان بما أنه تأليه له ومتعلق عليه. فالعقل الإنساني هو الذي يحدد وصفه في العلم الإلهي.

76

وقد يبلغ الحرص على حرية الأفعال درجة إنكار القدرة الإلهية على الإطلاق ووصفه بعدم القدرة بل وبالعجز، ولا يقدر على مقدورات العباد لا الإنسان ولا الحيوان. ويتم ذلك باسم الدفاع عن قوانين الطبيعة واستقلالها وسيطرتها على مظاهر الطبيعة؛ وبالتالي فتح الطريق إلى نشأة العلم، وكذلك دفاعا عن حرية الإنسان وأفعاله في الطبيعة وثقته بالنفس وتأكيدا للعلل والأسباب ولقوانين الطبيعة في ارتباط العلة والمعلول.

77

وكيف يكون الله مسئولا عن الشرور والقبائح ومصدرا للكفر والفسوق والعصيان؟ فلا يريد السفه إلا سفيها سواء لنفسه أم لغيره؛ فالله قد يريد ما لا يكون وقد يكون ما لا يريد، وهذا لا يعني كونه مقهورا على مراده أو أنه يلحقه الضعف والوهن والنقص، أو أنه مطيع لعباده، بل يعني أن شمول إرادته لا تقضي على حرية أفعال العباد.

78

إن مسئولية الإنسان عن الشر نظرة بطولية إلى الإنسان في تحمله المسئولية وعدم إلقائها على أكتاف الآخرين خيرا أم شرا. كما أنها تجعل الفاعل في هذا العالم واحدا، فالإنسان هو الفاعل، وليس فاعلين؛ الله والإنسان، مما يضع الله على مستوى الإنسان، وهي حطة في حق الله أو رفع للإنسان إلى مستوى الله ، وهو الغرور.

79

والأفعال الحرة هي الأفعال العاقلة، أفعال الإنسان وليس أفعال الحيوان. والقول باستقلال أفعال الحيوان إنما يعني استقلال أفعال الطبيعة التي لا يمكن تدميرها بإرادة شاملة لأنها إرادة عاقلة وحكيمة خلقت الطبيعة وسيرت فيها النواميس. لا يمكن أن تدمر الإرادة الإلهية ذاتها أو أن تنقلب على نفسها أو أن تدمر ما خلقته بنفسها وإلا كانت متناقضة تريد الوجود والعدم في آن واحد. ولكن إثبات استقلال أفعال الحيوان رد فعل على إنكار حرية الإنسان وعلى إنكار إثبات قوانين الطبيعة، فالفعل يولد رد الفعل، والتطرف يؤدي إلى التطرف المضاد.

80

إن إرادة الله لشيء كراهيته لضده، إرادته للخير كراهية للشر، وإرادته للطاعة كراهية للمعصية، ودون أن تتدخل في وقوعه أو عدم وقوعه. فإذا وقعت المعاصي فإن الله لا يكون مريدا لها، أي إنه لم يفعلها، بل كان كارها لوقوعها لمسئولية الإنسان عنها. أما إذا أتت من الأطفال أو المجانين أو من البهائم فإنه لا يكون مريدا أو كارها لها بأي حال. وهذا أكرم لله وأكثر تعبيرا عن التنزيه.

81

إن أفعال الإنسان ليست فقط وقائع وحوادث، بل هي معان وبواعث، مقاصد وغايات. ليست أشياء كما هو الحال في السؤال التقليدي عن أفعال الناس والحيوان، هل هي أشياء أم ليست أشياء؟ هل هي أجسام أم لا؟ تدخل أفعال الإنسان في نطاق العلوم الإنسانية وليس في العلوم الطبيعية؛ لأنها ليست أشياء بل مواقف تتغلف فيها الحرية الإنسانية وليست حتمية القوانين الطبيعية.

82

وللإنسان القدرة التامة على الفعل، والاستطاعة التامة لتحقيقه وإلا لما صح الحساب، ولما وجبت المساءلة، ولما صح التكليف. وكيف يثبت التكليف دون حرية الأفعال بصرف النظر عن إرادة القبح، هل هي من ذاتها قبيحة أم أنها قبيحة اكتسابا؟ وإن لم تثبت حرية الأفعال يصبح الله مسئولا عن القبائح، مانعا من الطاعات، ويصبح الشيطان هو «الشريك الغالب»! العقل والقدرة هما شرطا التكليف، والتكليف شرط الحساب، واستحقاق الثواب أو العقاب.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ١٩