66
وقد تتدخل النظرة الشرعية التي تقوم على النقل والعقل في أحكام الأفعال لإثبات حرية الأفعال في كل فعل؛ وبالتالي تفرض الإحكام الشرعية الخمسة بناءها على الإرادة المطلقة.
67
أما الحجج العقلية فإنها تقوم على استحالة إثبات مراد لإرادتين، وهي الحجة العامة لإثبات الحرية أو على استحالة إعطاء الله أمرا يأباه ويكرهه، وإلا كان ذلك جمعا بين متناقضين. فإما أن يكون الفعل للإنسان أو لغيره، ولا سبيل إلى الاشتراك وإلا وقعنا في الشرك الذي يسلب من الله حقه النظري ومن الإنسان حقه العملي. فلا هو أعطى الله كل شيء ولا أعطى الإنسان أي شيء، وأحدث الخلل بين النظر والعمل في الله وأضاعهما في الإنسان. وهو تمويه لا يجوز على الله؛ إذ إنه يأمر بالشيء وهو يضمر ضده كمن يريد إثبات عصيان العبد أمام القاضي لأوامر سيده، إذ ليس المقصود تنفيذ الأمر بل إثبات العصيان. والله لا ينصب للإنسان شراكا يوقعه فيها، بل يصدقه الإنسان دون أن ينتظر منه غير ما يأمر به وغير ما يظهر له ويحدثه فيه. ولا يعني النسخ أن المأمور به لا يكون مرادا بل الغرض منه إعادة بناء الشريعة على أساس الواقع وقدراته وليس الاستدلال النظري على حرية الأفعال. كما لا تعني قصة إبراهيم وأمره بذبح ولده إسماعيل جواز أن يكون المأمور غير المراد؛ لأنه أيضا درس في الطاعة للأمر، ودرس في أن الإنسان قيمة مطلقة، المقصود منه الدرس المستفاد وليس ما قبله. وقد تم ذلك في الحلم دون اليقظة، وأن إبراهيم كان مأمورا بمقدمات الذبح دون الذبح ، ولم يحدث أن تم الذبح والتأم القطع مرات عديدة.
68
لقد نهى الله عن الكفر والمعصية ولا يحسن أن يريد شيئا ويريد وجوده ثم ينهى عنه أو ينهى عن شيء ثم يريده، وإلا انهدم أساس الشريعة، وافترضنا في الله الكذب وسوء النية وإظهار غير ما يبطن وإبطان غير ما يظهر كما يفعل سائر البشر وكما تفعل الباطنية.
69
الله إذن لا يتدخل في أعمال العباد ولا يشاء منها فعلا إيجابا أم سلبا. لم يخلق شيئا منها وإلا كان مسئولا عن المعاصي والقبائح والشرور. لم يخلق الخير ولا الشر منها. لم يخلق الخير حتى يجعل الإنسان فاعلا له ولا الشر لأن الخير لا يفعل إلا الخير. والتقييد من إرادة المعبود وفعله هو في نهاية الأمر إثبات على استحياء للحرية الإنسانية ونقص في الشجاعة للإعلان عنها، وإحجام عن العقل والواقع وترك لبقايا المزايدة في الإيمان واغتراب الإنسان.
70
ولا يتدخل أي آخر في أفعال العباد من الجن أو الشياطين أو الملائكة. وقد أصبح الشيطان في وجداننا القوي، علة نفسر بها كل الشرور والآثام، أقوى من الله، ومشجبا تعلق عليه أخطاء العصر.
71
هناك الفطرة الإنسانية التي تشمل العقل والقدرة على التمييز كما تشمل الإرادة والفعل الحر، وهي التي تسطر الفعل على صفحة العلم الإلهي.
72
والسؤال التقليدي: هل يقال إن المعبود قوى الإنسان على الكفر؟ هو تمرين عقلي لإظهار قدرة الذات المطلقة على حساب الحرية الإنسانية لو كان الجواب بالإيجاب. ولكنه يثير إشكالا أعظم وهو كيف يقوى الخير المطلق على فعل الشر ويحث عليه؟
73
وتكون الإجابة بالنفي إلغاء للقدرة المطلقة وإثباتا للحرية الإنسانية وأكثر اتفاقا مع التنزيه. الولاية والعداوة بعد الفعل وليس قبل الفعل وإلا كانت أفعال الله غير معللة بسبب أو غاية. وإذا كان الجواب بالنفي إثباتا للحرية الإنسانية، فماذا يكون وضع قدرة مطلقة لا تفعل؟ وإن أية محاولة للجمع بين الطرفين لا تؤدي إلا إلى تحصيل حاصل. وكذلك السؤال التقليدي الآخر: هل يقدر الله على ما أقدر عليه عباده؟ إذا كان الجواب بالإيجاب فهي محاولة لإثبات القدرة المطلقة على حساب الإنسان. أما إذا كان الجواب بالنفي فهو إثبات لحرية الإنسان وفي الوقت نفسه أكثر تنزيها لحق مطلق.