تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

55

لا توجد إرادة مطلقة مشخصة هدفها تدمير حرية الإنسان واستقلال أفعاله، فإن المشيئة الإلهية لا تمنع من حرية الأفعال؛ فهي حق نظري وحرية الأفعال واقع عملي. بل إن «إبليس» كان حرا في أفعاله واختياره بالرغم من وجود المشيئة المطلقة كحق نظري تعليما للبشر. والعبرة في النهاية بالمآل في الزمان وفي التاريخ.

56

الإيمان إذن موقوف على الاختيار، وأفعال الشعور كلها تدل على أن الإنسان حر في أن يعتقد ما يشاء وأن يتصور العالم كما يريد؛ فليس هناك من يجبره على تصور اعتقاد معين.

57

ولا يعني إثبات حرية أفعال الإنسان استحالة الحمد والشكر لأن الحمد شعور إنساني يحدث عقب تأدية الفعل ونجاح الإنسان في تحقيقه، فهو نوع من التواضع والعرفان بالجميل للنفس وللآخرين وللطبيعة، ويعبر عن رضاء النفس عن ذاتها وإلا لداخل النفس الغرور ولحسبت أنها صاحبة الأمر والقضاء، وهو شعور زائف بالنسبة لفعل صادق يرى أن الفعل داخل في مجموعة متداخلة من الأفعال؛ أفعال الأفراد وحركات الشعوب وقوانين التاريخ.

58

والاستعجاب من الأفعال يدل على أن الإنسان كان يتوقع فعلا آخر غير الذي يستعجب من أجله، ولكن تداخل الإرادات وتشابك الأفعال جعل الذي يحدث غير المتوقع.

59

والتساؤل عن الأفعال إما عن الأفعال التي لم تتم أو عن الأفعال التي تمت يدل على أن الإنسان إما فاعل أو كان لديه عديد من إمكانيات الفعل ولم يختر أكملها. وهي مراجعة مستمرة واستدراك حول سير الأفعال وإعادة أحكامها.

60

والتحسر تجربة بشرية تدل على رغبة الإنسان في العودة إلى لحظة ماضية حتى يؤدي فعلا أفضل؛ مما يدل على أنه يشعر أنه قادر على إتيان الفعل. فهذا التمني دليل على أن الإنسان لديه عديد من الممكنات يستطيع الاختيار بينها.

61 (3-3) حدوث الصفات

ويمكن مع نفي الصفات لإثبات حرية الأفعال أخذ البدائل الأخرى وهي القول بحدوثها؛ فتصور الإرادة المطلقة حادثة إثبات للحرية الإنسانية؛ لأن انتزاع القدم منها يجعلها متكافئة مع الإرادة الإنسانية، وبالتالي تستطيع الإرادة الإنسانية أن تشق طريقها من خلالها،

62

وخشية الوقوع في التشبيه والتجسيم في التوحيد والجبر والكسب في العدل حتى تكون الإرادة حادثة لا في محل. وتصنيف الصفات إلى ما يحتاج إلى محل وما لا يحتاج إلى محل يفسح المجال للحرية الإنسانية إلى تعيين محل الصفة. فالصفات التي لا تحتاج إلى محل تعطي للذات المشخصة صفاتها المطلقة، ولكنها تجعلها خارج مجرى الطبيعة ولا تتدخل في مسار الحرية الإنسانية كملك يملك ولا يحكم، كخليفة بغداد مع أمراء الأمصار، خلافة اسمية لا حكم فعلي.

63

واعتبار الخلق بالقول لا بالفعل هو محاولة أخرى لإنقاذ الحرية الإنسانية وذلك بإخراجها من نطاق الإرادة المطلقة ووضعها تحت القول. والقول أقل حدوثا ووقوعا من الفعل.

64

والتفرقة بين صفات الذات وصفات الفعل محاولة ثالثة بعد نفي الصفات وإثبات حدوثها لإثبات الطرفين معا الإرادة المطلقة وحرية الإنسان والتوفيق بين الحقين معا، حق التوحيد وحق العدل؛ فصفات الذات صفات نظرية لا تؤثر في الفعل وتحفظ حق الإرادة المطلقة، في حين أن صفات الفعل هي الصفات العملية التي تؤثر في الفعل. إن كون الإرادة المطلقة صفة ذات لا صفة فعل نظرية لا تتدخل في مسار الفعل الإنساني. وتثبت الحرية بجعل صفة الإرادة صفة فعل لا صفة ذات؛ لأن صفة الذات تعبر عن جوهر المعبود، في حين أن صفة الفعل تعبر عن أفعاله في الزمان والمكان. صفات الذات ضرورية في حين أن صفات الفعل ممكنة. الإرادة صفة فعل، أي أنها قد تقع وقد لا تقع؛ مما يترك المجال للحرية الإنسانية.

65 (3-4) إثبات حرية الأفعال

لا يحتاج إثبات خلق الإنسان لأفعاله إلى حجج نقلية قدر احتياج الإيهام بالجبر أو التسلل بالكسب ؛ لأن العقل قادر على البرهنة عليه، كما أن التجربة تشهد بحرية الأفعال، التجربة الذاتية للأفراد، والجماعية للشعوب، والتاريخية للإنسانية. ولا تستعمل الحجج النقلية إلا في الرد على الحجج النقلية المضادة لنظريتي الجبر والكسب. ويكون ذلك إما بمقابلة نصوص تدل على حرية الأفعال في مقابل نصوص توهم بالجبر أو بالدفاع عن صحة تأويل هذه النصوص ضد سوء تأويل الجبر لها أو بتأويل النصوص التي توهم بالجبر دفاعا عن خلق الإنسان لأفعاله.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ١٧