44
ومع ذلك فإن اتفاق كفر الكافر مع مراد الله لا يعني أجره على ثواب الطاعة، بل يعني عقابه لسوء استخدام العقل والفعل الحر، وأن مراد الله يكون تابعا للفعل وليس سابقا عليه، والعلم به مسبقا لا يعني الاضطرار إليه.
45
وقد تكون الإرادة مجردة تهيئة المراد. ولكن حتى هذه التهيئة قد تدخل في الفعل الإنساني. وماذا لو حدث التدخل ثم جلب الفعل الإنساني الضرر لا النفع، وهو نفس معنى التخلية؟ فقد تكون التهيئة بمعنى أن الله خلى بينهم وبينها. والتخلية في الواقع إثبات الحرية أكثر من نفيها. ولكنها تفيد أيضا معنى عجز الإرادة المطلقة وتلغي دورها في الفعل، كما أنها تضع مشكلات أكثر منها مثل: كيف يخلي المؤله الموصوف بصفات الكمال بين الإنسان وبين الأفعال السلبية؟ كيف يسمح الكمال بالنقص، والخير بالشر، والحسن بالقبيح؟
46
وقد تعني الإرادة كراهة الله للفعل دون إتيانه، والقيام به بدلا عن الإنسان، هذا فيما يتعلق بالأوامر والنواهي، بالطاعات والمعاصي. أما فيما يتعلق بالمباح وما لا يدخل تحت التكليف من أفعال مثل أفعال المجانين أو الأطفال أو البهائم فلا تدخل تحت مرادات الله إرادة أو كراهية.
47
فالله غير مريد على الحقيقة، وإرادته إضافة أو سلب كما هو الحال عند الحكماء، سلب الكراهية وسلب العلية.
48
وقد لا تكون الإرادة هي الجبر بل الاختيار؛ فالمريد هو المختار وليس المجبر، أي أن العلاقة مع ذاته وليست مع غيره، العلاقة مع الذات اختيار ومع الآخر جبر، فلماذا تعطى أولوية العلاقة للغير على أولوية العلاقة بالذات؟
49
قد تعني الإرادة أن المريد غير مغلوب ولا مستكره، أي أنها الاختيار، وهو تعريف الإرادة بنفي ضدها؛ وفي هذه الحالة تعني الإرادة الاختيار وليس الجبر، ويكون الإنسان قد ظلم نفسه برؤية الجبر في الاختيار.
50
وقد تكون الإرادة هي الميل، أي مجرد الرغبة والاتجاه والقصد دون أن تكون هناك ملكة تسمى الإرادة، أي أنها أقرب إلى الوجود كله منها إلى أحد قواه.
51
وبهذا المعنى قد تكون الإرادة أيضا حركة. ولا تعني الحركة بالضرورة حركة الأجسام، بل قد تكون حركة البواعث؛ فالإرادة تشخيص للقوى والملكات النفسانية. والحقيقة أنها ترجع في الحياة الإنسانية إلى الباعث. فالباعث القوي يتحقق، والباعث الضعيف لا يتحقق؛ ومن ثم تنشأ مشكلة الإرادة؛ إرادة القوة تعبر عن الحياة وتتحقق بالضرورة، وإرادة التاريخ تعبر عن مسار التاريخ وتتحقق بالضرورة، وإرادة الشعوب تعبر عن حقيقة إنسانية ومن ثم تتحقق بالضرورة.
52
والباعث هو الشخص. وإذا كان الشخص من ناحية والباعث من ناحية أخرى يكون ذلك ضعيفا في الباعث. الباعث القوي هو الذي يملك الشخص ويحتويه. وإذا كانت الإرادة هي الباعث فإنها تكون أيضا حركة، وهي ما تساءل عنه القدماء من الصلة بين الإرادة والضمير والانتهاء إلى أن الإرادة ليست الضمير، وأن الضمير محل الإرادة.
53
فإن لم تكن الإرادة حركة فإنها تكون تعبيرا عن الذات المؤله أو خلقا منه لا بإرادة. وقد تكون الإرادة معنى يصور الجانب العقلي في الباعث أو يكشف الأساس النظري لها؛ لذلك يوحد البعض بين الإرادة والعلم.
والحقيقة أن الإرادة تشبيه إنساني خالص، لا تشير إلى شيء موجود في الواقع. ويمكن للإنسان أن يتصور أن للأشياء إرادة وأن للجدار إرادة، وهذا كله مجاز وليس حقيقة بل مجرد وسيلة في التعبير
جدارا يريد أن ينقض .
54
وإثبات المعبود فاعلا في الحقيقة والإنسان فاعلا في المجاز إنكار للحرية؛ لأنه يجعل المعبود هو الفاعل الحق، والإنسان فاعلا بالمجاز. وهذا ما لا تشهد به تجربة ولا يؤيده واقع؛ فالإنسان فاعل في الحقيقة، وفاعل فعل واع ومسبق حتى ولو تدخلت الظروف الخارجية في ميدان فعله وأثرت عليه ووجهت مساره.