18
ولكن في مقابل هذا المعنى الشامل للطف هناك معنى أضيق يحصر الألطاف في ثلاثة: المعارف النظرية، والنبوة، والتأييدات العملية.
فوجوب المعارف ألطاف؛ لأن المعرفة لطف. ولا تعني المعرفة بالضرورة من الخارج بل هي معرفة داخلية، نعمة الفكر والتأمل والاستدلال. لو لم يكن الإنسان عارفا لما كان سيد الكون، تحق له السيادة والسيطرة عليه وتسخير مظاهر الطبيعة لإرادته، ولكان أقل من الحيوان والجماد. يعلم الإنسان، ويعلم أنه يعلم أي إنه يعلم بالشعور، في حين أن الحيوان لا يعلم بأنه يعلم، يعلم بالغريزة، غريزة المحافظة على البقاء. والجماد وإن كان لا يعلم إلا أنه ليس وجودا مصمتا بل له دلالة، ودلالته معناه، ومعناه هو العلم. والمعرفة بهذا المعنى تكون واجبة عقلا كما تجب بالسمع، وقد تكون أساسا له وأحيانا بديلا عنه . معرفة الله لطف في أداء الواجبات لأنها تدفع الضرر عن النفس، واللطف هو الكرم والجود والعطاء وتقديم الخير على الشر والنزوع الطبيعي نحو الخير. ينشأ وجوب النظر من الرغبة في دفع الضرر، وهذا واقع اجتماعي. كلما كف الناس عن النظر ألحقت بهم الأضرار واستخفت بهم السلطة وسيطرت على مقاديرهم. وكلما نظر الناس وأعملوا عقولهم أدركوا أمورهم وكانوا على وعي بأحوالهم، وكانوا الرقباء على السلطة وما أمكن لأحد الإيقاع بهم أو إيهامهم.
19
والنبوة باعتبارها معارف نظرية وتوجهات عملية هي أيضا لطف. وإن استقلال العقل وقدرته على التمييز تجعل السمع لطفا من الله فيصبح جائز الوقوع وليس ضروري الوقوع. فكما أن النظر والمعارف لطف بالنسبة للعقل بإضافة الاستدلال إلى البداهة، فإن النبوة لطف بالنسبة إلى العقل لأنها يقين البداهة التي يقوم العقل بعد ذلك بتحويله إلى منطق الاستدلال؛ فالصلة بين النبوة والعقل هي صلة الحدس بالبرهان.
20
ولا يفترق في ذلك الخاصة عن العامة إلا في عمق الحدس وتنوع البرهان. النبوة لطف بمعنى تثبيت اليقين وتحويل البداهة العقلية إلى تصديق وجداني. تعطي افتراضات للبرهان تتحقق في الحس والمشاهدة وتثبت بالاستدلال. تحمي العقل من الوقوع في التجزئة والمتناهي في الصغر وتحرص على النظرة الشمولية للحياة. تقصر وقت النظر من أجل تخصيص الجهد وتوجيهه نحو العمل والتحقيق.
أما التأييدات العملية فهي ما يشعر به الإنسان في داخله من توفيق وعون وسداد. وهو التمكين بما فيه من البواعث والدوافع والإمكانيات والوعي والدراية، وكل ذلك سابق على إتيان الفعل. وقد تحدث إمكانيات أخرى أثناء الفعل مصاحبة له، تقويه وتدفعه وتطيل وقته وتجعله أكثر رسوخا وبقاء في التاريخ. فالوقت لا يتجزأ إلى أوقات منفصلة، بل هو شعور دائم ومتصل، يكمن فيه الإحساس بالرسالة المتصلة التي تعبر عن قدرة الإنسان ومصيره. يحدث اللطف في حال الفعل الذي هو حال وجود، أثناء تحققه كقوة متولدة منه، سرعة بديهة في الإدراك، وقوة الباعث في النفس، والرؤية التاريخية على المدى الطويل. ويكون لا شعوريا أولا ثم يراه الإنسان وقد تحقق في نفسه وأمامه، في الواقع وفي الشعور.
21
| تاسعا: العوض عن الآلام
إذا كان الله منزها عن القبائح والشرور والآثام، فإذا حدث شيء منها فإنها تكون أصلح للعباد. وإن لم يمكن فهمها بالأصلح فقد تكون لطفا من الله. وإن صعب الاقتناع بها فقد تكون عن استحقاق. وإن لم تكن عن استحقاق فيجب التعويض عنها حتى يتم أصل العدل وينتفي الجور؛ فالظلم كله ضرر لا نفع فيه. ومن حق الظلم أن يكون قبيحا. ويقبح الضرر لأنه عبث وإن لم يكن ظلما. فإذا ما حسن الضرر يخرج عن كونه ظلما أو عبثا. وقد يحسن للنفع. قد يكون النفع دون المضرة أو مساويا لها أو زائدا عليها بشبهة، أو زائدا عليها بلا شبهة. وكذلك لا يقبح الألم لأنه ضرر بل قد يحسن لدفع ضرر أعظم منه. والعباد يقدرون على الآلام ولا ينفرون منها بل يقبلونها عن طيب خاطر ما دام فيها نفع أعظم وخير أقصى.