تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

ولا يوجد من ينكر الآلام ولكن يقع الخلاف في كيفية إثباتها وعلى أي مستوى. هل هي آلام عن استحقاق أو عن عوض؟ هل هي آلام للأطفال والبهائم أم آلام للبشر فحسب؟ ولا يمكن الاحتجاج بالآلام على نفي الصانع بحجة أنه لو كان للعالم صانع حكيم لما آلم من لا ذنب له لأن الآلام لا تكون إلا عن استحقاق أو عوض دفاعا عن وجود الصانع وحكمته.

2

ولا يمكن قبول الآلام بلا استحقاق أو عوض؛ لأنها مستحقة من فاعلها وهو الله، كما هو الحال في عقيدة الجبر لأن الآلام نتيجة للحرية والعقل، تتولد منهما، وتوجد في أصل العدل بعد أن انبثق من أصل التوحيد.

3

والآلام إنسانية خالصة تعبر عن نتيجة الفعل وبذل الجهد وليس شرا كونيا أو كارثة طبيعية مستقلة عن فعل الإنسان المتعين، حرية وعقلا، إرادة وإدراكا. إن إثبات وجود موضوعي للشر والخير معا وقوع في ثنائية كونية ونقل للعالم الشعوري إلى العالم الطبيعي كما هو الحال في النظرية الكونية للبشر. وقد يبلغ حد التشخيص إلى اعتبار الآلام هي النور في مقابل الظلمة؛ مما يكشف عن الجانب الإنساني الذي يظهر في الصورة الفنية، ويؤدي إلى القول بفاعلين متساويين في القوة؛ وبالتالي إلى الوقوع في الثنائية فتنتهي الوحدانية. الآلام الكونية سوداوية وإثبات للشر الأنطولوجي في نسيج الكون، واقفا للحرية بالمرصاد ومنازعا طبيعة الإنسان نحو الخير، وبراءة الأشياء وطهارة النفس. ولا يعني إثبات الحسن والقبح كصفتين ذاتيتين للأفعال أي إثبات للآلام الكونية؛ فالقبح ليس في الكون والظلم ليس في الطبيعة بل القبح في الأفعال الإنسانية، وفي كيفية ممارسة الحرية وإعمال العقل. قبح الآلام لنفور الطبع منها وكراهة النفس لها إن لم تكن عن استحقاق أو عن عوض.

4

ليست الآلام فعلا للطبيعة في مقابل فعل الله بل نتيجة لأفعال الإنسان الحرة العاقلة.

5

يمكن التحقق من الآلام بالإحساس أو الإدراك. ولا يعني ذلك مجرد انطباعات حسية نابعة من الاجتماع والافتراق للجزئيات العضوية بل إدراك وجودي يهز المشاعر. والآلام أيضا معاني يدركها العقل ولكنها ليست معاني مجردة، بل معان قائمة بالنفس تهز الوجدان وتبعث على الفرح إذا كان إيلام الغير عن استحقاق أو على الحزن إن كان عن عوض. ليس الإدراك ذاتيا يختلف من فرد إلى فرد بل هو إدراك عام موضوعي يعبر عن الطبع، نفوره واشمئزازه، استحسانه واستهجانه. فالعادة والطبع والإحساس البديهي، كل ذلك يثبت الآلام نتيجة للأفعال الإنسانية الحرة العاقلة. مستوى تحليل الآلام إذن أهم من تحليل الآلام ذاتها. فالألم ليس ظاهرة مادية كونية مستقلة عن فعل الإنسان الحر العاقل، وليس مجرد معنى عقلي مجرد لا يهز المشاعر والوجدان بل هو إدراك نفس وفهم معنى ورؤية واقع واستبصار تاريخ.

6 (1) هل هناك آلام بلا استحقاق؟

ليست المسألة قدرة الله على فعل الآلام. فالموضوع ليس القدرة كصفة للذات في أصل التوحيد بل هي الآلام عن استحقاق أو غير استحقاق كموضوع في أصل العدل. صحيح أن الله فاعل كل شيء وقادر على كل شيء في أصل التوحيد، ولكن في أصل العدل تبرز الآلام كشر في العالم، والله منزه عن الشرور والقبائح. إن تبرير الشر في العالم بمجرد خضوع الإنسان لقدرة مشخصة هو تخل عن مآسي الإنسان وإخضاعه لقوى الشر والعدوان. ولا تقع الآلام ابتداء من واقع التكليف؛ فالتكليف نعمة قبل أن يكون نقمة، وفرح قبل أن يكون حزنا، وسرور قبل أن يكون غما، وانطلاق قبل أن يكون هما.

7

لذلك تكون الآلام للاستحقاق أو للموعظة. للفعل الأول كنتيجة له أو للفعل الثاني كمانع منه. وتحدث الآلام بالرضا والموافقة طبقا للعقل والفهم. هي تجربة بديهية لتحمل المشاق جلبا لمنافع وخير أعظم. لذلك كان حسن التكليف منوطا بالثواب،

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ١٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ١٥٤