تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

15

وكيف يمكن التوفيق بين اللطف من ناحية والحرية والعقل من ناحية أخرى؟ وماذا لو رفض الأحرار العقلاء اللطف، فالحرية لديهم قادرة على الفعل، والعقل لديهم قادر على الوصول إلى التكاليف؟ وإذا كان اللطف يتدخل في الحرية إلى المنتصف ففيم الحرية؟ ولماذا لا يقطع اللطف الشوط كله؟ وماذا عن البواعث على الإيمان والصوارف عن الكفر؟ هل يقدر الله على منح الأولى ومنع الثانية؟ ولماذا يتناهى اللطف عند حد والله مقدوراته لا نهاية لها؟ وأين يكون اللطف في حالة الإحباط والخذلان؟ ولماذا لا يكون لطف للكافر كي يؤمن كما أن للمؤمن لطفا كي لا يكفر؟ إن الله أقرب إلى الخير فكيف لا يصدر عنه إلا الخير؟ ولماذا يمنع الكافر من الكفر ويقربه إلى الإيمان والطاعة؟ كيف يريد الله كفر الكافر ويمنع عنه لطفه؟ إن من يجوز اللطف لا بد أن يجوز الإضرار في حالة عدم وقوع اللطف. وفي هذه الحالة كيف يضر الله وهو الخير المطلق؟ وإذا ما حصل الإنسان على اللطف، فما المانع ألا يحصل على المزيد، يؤدي اللطف إلى لطف أكبر إلى ما لا نهاية؟ وإذا كان اللطف عاما لا يخص فردا دون فرد، فكيف يقع لفرد دون آخر؟ وما مقياس الاختيار؟ أين تكافؤ الفرص؟ إن الصعوبة في اللطف هي تبرير خصوصية فرد دون آخر. وإذا كان موجودا منذ البداية فلماذا مضاعفته للمطيع وعدم مضاعفته للعاصي؟ وإذا كان مقياس الاختيار هو الطاعة فالبداية للإنسان وبالتالي يكون فعل الإنسان هو الشارط واللطف هو المشروط، ويكون اللطف حينئذ هو القوة غير المتوقعة المتولدة أثناء الفعل من طبيعة الفعل ذاته. صحيح أن اللطف عام ولكن قد يكون اللطف لفرد مفسدة لآخر وهو ضد العدل.

ويبقى سؤال: متى يظهر اللطف ومتى يختفي؟ ولماذا لا يظهر اللطف عند صاحب الآلام والمشاق؟ ولماذا يمتنع عن البائس والفقير والمظلوم والمحروم كما يمتنع الأصلح؟ أين اللطف في الدنيا بالمفسدين في الأرض وبالمحرومين من عدالة السماء؟ بل وأين ألطاف البشر بالبشر والحكام بالمحكومين؟ ألا يؤدي القول باللطف كما يؤدي القول بالأصلح إلى جعل هذا العالم أفضل العوالم الممكنة، ويجعل الإنسان لو علم المقدر لاختار الواقع لأنه لطف فيه، وكما هو معروف في القول المأثور: «اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه». ألا يؤدي القول باللطف إلى قبول كل الأحزان والمصائب وقبول الإنسان وضعه الاجتماعي المزري تفاديا لوضع اجتماعي أكثر إزراء! وحينئذ لا يملك الإنسان إلا الدعاء: «يا خفي الألطاف، نجنا مما نخاف.»

16

إن ذلك كله تجديف على الله وإقحام الإنسان نفسه فيما لا يعنيه وإسقاط عجزه أو قوته على إرادات مشخصة خارجة يجد فيها تعويضا أو عونا؟ إن اللطف لا يتعدى في أصل الوحي العلم كخبرة وهو اللطف النظري أو اللطف بالبشر وبالكون أي الرعاية والعناية والحفاظ على الفعل والجهد. ولكن اللطف أيضا للإنسان، لطف الإنسان بالإنسان كعلاقة اجتماعية وليس فقط كعلاقة بين الله والإنسان.

17 (2) ما هي الألطاف؟

الألطاف في حالة إثباتها قد تكون كل شيء. الخلق لطف؛ فبدون نعمة الخلق لا يستطيع الإنسان أن يدرك أو يفعل أو ينعم بشيء. والطاعة لطف؛ لأن نعمة الطاعة والرضا والسرور لا تعادلها لذة، ولا يساويها فرح. والوعيد لطف؛ لأنه باعث على الفعل وترصد لنتائجه وتفكر في العاقبة. ودعاء المؤمن على الفاسق لطف للداعي؛ لأنه يفرج حزنه ويقويه على خصومه. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لطف؛ لأنه بدونه يتسلط الحكام وتنهار الأمم. والكفارات ليست عقوبات بل لطف؛ لأنها تطهير للنفس وإعادة بناء لها. وإقامة الحد على السارق لطف؛ لأنه تثبيت للوعي وإدراك عملي للحق. والألم النازل بمن يستحق العقوبة لطف؛ لأنه إدراك عملي للقبح وإحساس بآلام الآخرين الناتجة عن فعل القبيح لهم. وما يستحقه الإنسان على فعله من غيره في حكم الموجب لطف؛ لأنه إدراك لما فعله الإنسان للآخر بالتبادل. وإتعاب النفس في المكاسب وطرقها لطف؛ لأنه إدراك لأهمية الفعل عن طريق بذل الجهد. وقد تكون زيادة الشهوة لطفا؛ لأنها إحساس بالحياة وقدرة على فورة النفس خاصة وأن المباح كثير، والعمل الذهني مصاحب لها، وسند لتحقيق رسالة الإنسان في الحياة.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ١٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ١٥٢