تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19

إن إثبات الأصلح يعني أن الله يفعل الخير دون الشر، أي إنه يرعى مصالح العباد ولا يضرهم، فهو من هذه الناحية تفاؤل وخير وبراءة وطهارة، في حين أن نفيه نظرة شريرة إلى العالم وتصور لله على أنه شرير يفعل الشر ويضر بالناس؛ لذلك كان النفي أقرب إلى التنزيه. ولا يعني النفي أي نقص في عواطف التأليه، بل وضعا لها على أساس إنساني من أجل الإبقاء على مصالح الإنسان. ويتعدى الأمر أحيانا إلى فرض الأصلح على عواطف التنزيه، فتحدد القدرة المطلقة بفعل الأصلح وهو ما عبر عنه الأصوليون من قيام الشرع على المصالح العامة دون تشخيص للقدرة، والحديث عن حكمة الشرع وليس عن شخص الشارع. وما دام الأصلح تعبيرا عن موقف الإنسان وممارسته لحريته وعقله، فإنه يكون تعبيرا عن قانون عام مثل قانون الاستحقاق. والقانون ثابت من وجهة نظر الإنسان. ومن حق الإنسان أن يعيش في عالم يوجهه العقل ويحكمه القانون. أما من وجهة نظر صاحب السلطة والتشريع فالقانون لديه تعبير عن إرادته، يمكنه أن يغيره ويبدله، بل ويوقفه في أي وقت شاء. ولما كنا بشرا ولسنا آلهة، نعبر عن وجهة نظر إنسانية خالصة، فالقانون بالنسبة لنا عام وثابت. وكل محاولة لتغييره أو تبديله أو تأويله أو إيقافه تكون ضد الإنسان ومصالحه. يخضع الإنسان للقانون العام الذي يعبر عن مصلحته لأنه قانون عقلي، ولكنه لا يخضع لإرادة أو لسلطة مطلقة وراء القانون يمكن التلاعب به خاصة ونحن في جيل يتم وضع القانون فيه لحساب الحكام وتعبيرا عن أهوائه ونزواته وليس إثباتا للصالح العام.

والحقيقة أن الصلاح والأصلح تعبير عن ضرورة العقل والشرع معا، وتعبير آخر عن ضرورة الحرية والطبيعة. ليس فيهما أي أثر أجنبي من الخارج، من ثنوية أو غيرها. فالأصلح موضوع أصيل. وهو أساس الشرع ومصدر التشريع وسبب الوحي.

20

وإن أكبر حجة ضد الخصم هي اتهامه بالعمالة الحضارية وبأنه منفصل عن تراثه وبأنه تابع لمؤثرات أجنبية. وليس فيهما أي نقل من العلوم الأخرى مثل علوم الحكمة أو علوم التصوف، بل هما تعبير عن بنية علم الأصول بشقيه، علم أصول الدين وأصول الفقه، يعيدان إلى العلم وحدته بتوحيد علم النظر وعلم العمل؛ علم العقيدة وعلم الشريعة، الوحي والطبيعة على أساس واحد، وهو مصالح الناس ورعاية البشر.

21

إن ما يمكن أن يوجه إلى الصلاح والأصلح هو تبرير الشر في العالم، في الأفعال وفي الطبيعة، واعتبار هذا العالم أفضل العوالم الممكنة، وأن كل ما فيه خير وصلاح، وأن الواقع أفضل من الممكن، والحال أفضل من المآل، وأننا لو علمنا الغيب لاخترنا الواقع، وأن ليس في الإمكان أبدع مما كان. وقد يسبب ذلك نوعا من الاستسلام للأمر الواقع والرضا بكل صنوف الضيم والظلم والهوان، وبالتالي تستحيل قضية التغير الاجتماعي كما يستحيل العمل السياسي الذي يقوم على تغيير الوضع القائم إلى وضع أفضل. وينتهي التقدم، ويقضى على الرغبة في العمل وعلى بذل الجهد، وتنتهي المقاومة للظلم؛ فالأصلح للظالم أن يكون ظالما، وللمظلوم أن يكون مظلوما، وللغني أن يكون غنيا، وللفقير أن يكون فقيرا، وللقاهر أن يكون قاهرا، وللمقهور أن يكون مقهورا، وللمحتل أن يكون محتلا، وللذي يقع عليه الاحتلال أن يقبل الاحتلال. كما يصعب على الإنسان عقلا وقلبا أن يفهم أن الله لا يراعي الصلاح والأصلح، وفي الوقت نفسه يصعب عليه أن يقبل أن يكون ذلك واجبا على الله، فالله لا يجب عليه شيء كحق نظري. والحقيقة أن كل هذه الاستدراكات على الصلاح والأصلح إنما تأتي من اعتباره ضد الحرية، وهي في واقع الأمر تعبير عنه. فقد ثبتت حرية الأفعال في أول شق لأصل العدل بعد انبثاقه عن التوحيد وخروج الإنسان المتعين من الإنسان الكامل. كما تقود العقليات كلها إلى السمعيات وآخرها النظر والعمل ثم الإمامة. فالغاية النهائية هي التغيير الاجتماعي. إن قبول الأمر الواقع كقضاء لا يمنع من الخروج عليه كقدر. كما أن اللفظ المزدوج الصلاح والأصلح يعطيان إمكانية لا نهائية للانتقال من أحدهما إلى الآخر. فلا صالح إلا وله أصلح. فإذا كان الوضع القائم هو الصلاح، فإن تغييره إلى وضع أفضل هو الأصلح؛ ومن ثم يكون التقدم المستمر ممكنا إلى ما لا نهاية. أما التعبير بلفظ الوجوب فهو مصطلح إنساني خالص يتحدد فيه الوجوب العقلي بالوجوب الطبيعي بالوجوب الأخلاقي. وانبثاق العقل من التوحيد يجعل الانتقال من الله إلى الإنسان ممكنا؛ وبالتالي تتوقف لغة الذات والصفات على لغة الأفعال حيث تبرز مصالح الناس وتظهر حياة البشر؛ لذلك يظهر مع ألفاظ الصلاح والأصلح ألفاظ أخرى مثل الجود والجواد والبخل والبخيل والاقتصاد والمقتصد، مما يدل على أنها مصطلحات إنسانية خالصة.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ١٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ١٤٥