13
ولا يقال أيضا إن الأصلح ألا يعاقب الإنسان في أفعاله وأن يغفر له ويتوب، وبالتالي يتحول الأصلح إلى أن يكون دفاعا عن مصالح الإنسان، ورغباته وأهوائه، وإلى هدم القانون إن لم يكن هناك مقياس موضوعي عام للأصلح دون الوقوع في الفردية والنسبية والمصلحة الشخصية؛ وبالتالي يتخلى الإنسان عن نتائج أفعاله.
14
الأصلح ليس بالرجوع إلى الوراء والتمني، بل هو التقدم إلى الأمام. الأصلح للإنسان أن يكون حرا وإلا كان ظاهرة طبيعية. الأصلح للإنسان أن يرتبط مصيره بالحرية حتى يكون مسئولا عنها محاسبا عليها. ليس الأصلح للإنسان رفض العقل والبلوغ وأن يعيش الإنسان مخلوقا حيا دون أن يكون له عقل بالغ فيعيش حيوانا أعجما أو طفلا أو مجنونا أو معتوها. وكيف يكون هناك أصلح إذا ما اخترم الإنسان قبل العقل والبلوغ؟ إنما الصلاح يقع في حياة الإنسان الحر وليس فقط نتيجة هذا الجهد. ودون عقل لا يكون هناك استحقاق مدح أو ذم.
15
وكيف يمكن شكر النعم كواجب عقلي وعلى فعل الأصلح كواجب حتمي إن لم يكن هناك فعل وإدراك؟
16
ولا يقال إن الأصلح للإنسان ألا تأتيه الرسالة وألا يقوم الرسول بالتبليغ وأن يصرف الله إرادته عنها؛ فالتكليف واجب إنساني. وجهد الإنسان الحر بالنسبة له عملية تتحقق لا تتحدد نتائجها إلا بعد بذل الجهد. الرسالة يقين النظر وباعث على العمل؛ وبالتالي لا تتم عملية التحقق إلا بها، وإلا فكيف يتحول إلى نظام مثالي في العالم؟ ولا ضير في أن يتغير الوحي كشريعة طبقا للصلاح والأصلح على ما هو معروف في الناسخ والمنسوخ حتى تتم عملية المقياس، قياس الشرع على أهلية الإنسان وقدرته. فالشرع موضوع لصالح الإنسان، متغير بتغير مصالحه وليس تعبيرا عن ثبات الذات الإلهية وشمولها. ويمكن للعقل الإنساني أن يدرك الحكمة من هذا التغير ويدرك قانونه الثابت؛ وبالتالي يلحق بالعلم الإلهي الثابت وبإرادة الله المتصلة.
17
وإذا كان الأصلح في الدين يمكن الاتفاق عليه والاعتراف به، فهل الأصلح في الدنيا كذلك؟ والحقيقة أن هذا السؤال إنما يقوم على تفرقة لا وجود لها، إلا افتراضا، بين الدين والدنيا.
18
فما هو مقياس هذه التفرقة؟ إن الوحي تنظيم لشئون الدين، والدنيا تحقيق لهذا التنظيم، والدين هو المثال والدنيا هو الواقع، والمثال يتحقق في الواقع والواقع تحقق للمثال. الأصلح إذن للدين هو الأصلح للدنيا، ولا يوجد صلاحان كل منهما على حدة. وإذا كان الأصلح للعباد فإن مصالح العباد في الدنيا وليس الدين إلا وسيلة لتحقيق هذه المصالح. إن الأصلح ضرورة في الدنيا والدين معا، فالدين هو الدنيا والدنيا هي الدين. وإن جعل الأصلح في الدين فقط دون الدنيا تناقض وتوهم فصل في شيء واحد، وإن كان لا بد من التمييز فإن الأصلح في الدنيا أولى، فيها مصالح العباد مرتبطة بحرية الإنسان وعقله في حين أن الأصلح في الدين لا يمكن للإنسان إدراكه إلا بقياسه على الأصلح في الدنيا. الأصلح واقعة داخلة في نطاق حياة الإنسان بفعل الحرية، لا يوقفها ولا يدفعها أحد، فالأصلح يتحقق من خلال الحرية وفي نطاقها؛ ومن ثم كان الأصلح بعد الخلق والتكليف، ثم اكتشاف الإنسان لنفسه كفعل حر وعقل مستقل وقدرة على إدراك الآيات والبراهين وتجاوز العقبات في المواقف والتمييز بين المصالح والمفاسد، بين الغنى والفقر، بين الصحة والمرض، بين الحياة والموت، بين الحرية والقهر، بين الوحدة والتجزئة، بين الهوية والاغتراب. والأصلح ضرورة عقلية، فالعقل والوجود صنوان، وحكم العقل هو حكم الوجود. والعقل هو شرط الحرية كما أن البلوغ شرط التكليف. الأصلح ضرورة شرعية، إذ يقوم الشرع على جلب المصالح ودرء المفاسد، للفرد وللجماعة. والأصلح ضرورة كافية لا تحتاج إلى ضروريات لا متناهية، والضرورة الكافية هي سبب وجود العقل والشرع والطبيعة معا. والأصلح ضرورة لحياة الإنسان وليس ضرورة لإثبات قدرة مشخصة لا تخضع لأية ضرورة أخرى من طبيعة العقل وواجب الحرية أو بناء الكون ذاته، وليس تشخيصا للطبيعة إما ذهابا بإثباتها أو إيابا بإنكارها. ليس الأصلح تفضلا وكرما، بل هو ضرورة وجودية في طبيعة الأشياء، كما أن الشرع ضرورة كونية ولا مجال فيها للتفضل والكرم والإنعام والإحسان. والأصلح ضرورة دنيوية خالصة وليس أخروية؛ إذ إن الأخرويات كلها نقل من هذا العالم إلى عالم آخر، إما تعبيرا عن أمل أو تعويضا عن حرمان. وإن قيل إن المانع من فعل القبيح وعدم القدرة عليه هو رعاية الأصلح في الآخرة، فإنما يكون ذلك قياسا للغائب على الشاهد وأدخل في موضوع المعاد، والذي لم يثبت بعد في العقليات طبقا لبناء العلم.