والإصلاح في مقابل الإفساد لفظان في أصل الوحي؛ فالصلح والصلاح للإنسان لنفسه أو لذات البين. وهو إصلاح من الإنسان الحر وأفعال الشعور الداخلية كالإيمان والتقوى والتوبة. وإذا كان الإنسان يدعو الله للإصلاح، فإن الله يأمره به. ويظل الإصلاح فعلا للإنسان أكثر منه فعلا لله. بل يصبح «صالح» اسم علم لما يعطيه الفعل على الشخص من سمة الصلاح. كما يصبح الأنبياء من الصالحين والأعمال كلها من الصالحات. والإصلاح أيضا للعلاقات بين الذوات (الزوجان) وفي الأرض. وهو فعل الإنسان أكثر من فعل الله. الله يعلم الإصلاح ولا يضيع أجر المصلحين، ولكن إصلاح الإنسان شرط، وفعل الله مشروط بفعل الإنسان.
22
أما الفساد فإنه أيضا فعل إنساني ناتج عن التشتت والتبعثر واتباع الهوى دون العقل، وينشأ من أفعال الملوك والقبائل (الرهط) والناس. وهو أقرب إلى فعل الجماعة منه إلى فعل الفرد، وكأن الفساد وضع اجتماعي في حين أن الفرد خير بالفطرة. ويظهر الفساد في الأرض وفي البر والبحر وفي البلاد بفعل الناس. والله يعلم ولا يحب الفساد ولا المفسدين. ويرى المفسدون عاقبة الفساد طبقا للأفعال ونتائج الأفعال، وينالون الجزاء طبقا للاستحقاق. والفساد معنوي ومادي معا، مثل تبديل الحق والاستعلاء والطغيان والكف عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبخس الناس أشياءهم، وذبح الأبناء واستحياء النساء، وقتل النفس وهلك الحرث والنسل. وتفصيل الفساد للتنبيه عليه مثل ترك الإصلاح كقاعدة عامة يتبعها الإنسان طبقا للفطرة، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح كما هو الحال في الشق الثاني من علم الأصول.
23 (3) هل يمكن نفي الغائية والعلية؟
ولما كان الصلاح والأصلح غاية في الأفعال وعلة لها، فقد ظهر موضوع الغائية والعلية كموضوع أشمل وأعم حتى استقل بذاته وأصبح أيضا موضوعا للجدل بين النفي والإثبات. كما أنه ارتبط بموضوع التكليف؛ لأن التكليف أيضا تحقيق لغاية؛ غاية الإنسان ورسالته في التاريخ.
24
وقد ظهر الموضوع بحدة في العقائد المتأخرة، نفيا للغائية، تنزيها لله عن الغرض، ومستغنيا عن كل ما سواه وافتقار كل ما عداه إليه.
25
فهل يمكن نفي الغائية؟
يقوم نفي الغائية على نفي الغائية والغرض عن الله. فإذا كان من معاني الواجب ما يلحق بتاركه الضرر وبفاعله النفع، فإن ذلك يستحيل على الله لانتفاء الأغراض المقصودة وإلا كان ناقصا مستكملا بالغاية، ومن ثم لا يوجب شيء على الله.
26
ولما كان غرض الفعل خارجا عنه يحصل به وبتوسطه، فإن الله يفعل ابتداء دون حاجة إلى توسط أو تحقيق غاية خارجة عنه وإلا لتسلسلت الأفعال والغايات إلى ما لا نهاية.
27
والحقيقة أن نفي الغاية يقوم على خلط بين مستوى الله ومستوى الإنسان. فإذا كانت أفعال الله لا نهاية لها ولا غاية، فإن أفعال الإنسان لها غاية ونهاية. الغاية في الفعل الإنساني وفي رسالته في التاريخ وليست في ذات الله. لا يعني إثبات الغاية أو الغرض إذن أي تجويز لنقص على ذات الله، فإن المشار إليه هو الإنسان وليس الله. الله ينفع الإنسان وليس الإنسان هو الذي ينفع الله أو الله هو الذي ينفع ذاته. ليست الدوافع والأغراض مزعجات ولا تدل على النقص، وإلا كان ذلك إنكارا للعالم الإنساني. فالإنسان مجموعة من البواعث والدوافع والغايات والمقاصد. لا يعني نقصان الغرض أي جهل أو فوات فرصة أو فشل على الله؛ فالموضوع كله أفعال الله بالنسبة إلى الإنسان وليست أفعال الله في ذاتها. إن للشرائع غرضا. فقد أتت لمصالح العباد وإلا كانت أفعال الله عبثا بلا قصد. ولما كان الوحي ممكن الوقوع وكانت الرسالة ممكنة التحقيق تكون أفعال الله كلها حكمة وقصدا. إن الغائية هي محور التفكير الأصولي والاعتزالي في إقامة الشرع على أساس المصلحة، إنكار العلية إذن إنكار لأساس الشرع والباعث على وجود الوحي. إنكار التعليل إنكار لأساس الشرع.