9
فإن قيل: إن كان الله يفعل الصلاح فهل يفعل الأصلح؟ وهل يمكن أن يفعل الصلاح وهو قادر على فعل الأصلح؟ وهل هو قادر على فعل الأصلح ولا يفعل إلا الصلاح؟ قيل إن كل هذه افتراضات وهمية ناتجة عن افتراض تدخل إرادة خارجية في الحياة الإنسانية. وإن من المشاهد في الحياة الإنسانية أن الإنسان لا يدخر وسعا في فعل الصلاح والأصلح. وإذا اختار بين الأقل صلاحا والأكثر صلاحا فإنه يختار الأصلح. وإذا اختار الآن الأقل صلاحا فقد يكون لصلاح أعظم فيما بعد. إن اعتبار الأصلح للإنسان بعد الخلق والتكليف، كإنسان حر عاقل واعتبار الأصل له نهاية وكل وغاية إنما تفضيل للواقع على الممكن، وإيثار للعمل على النظر. وما الفائدة من أصلح نظري غير محدد ولا يتحقق منه شيئا؟
10
فإذا ما كان هناك أصلح نظري لا يستعمل فإنه يصبح لطفا، وبالتالي يصبح السؤال: هل يقدر الله على خلق لطيفة لمن علم أنه لا يؤمن كي يؤمن؟ وهنا يقدم العقل للشعور صفتين متعارضتين، هما القدرة والعلم، حتى تكون فرصة أمام الشعور للتعبير عن عواطف الإجلال والتعظيم. فالإثبات تأكيد لسلطان القدرة على حساب العلم، مع أنه أيضا صفة مطلقة، ولكن يشفع لها أنها تتدخل لصالح الإنسان. والتدخل في حد ذاته حتى ولو كان لصالح الإنسان قضاء على استقلال الحرية الإنسانية وحل الشق الثاني من العدل، أي الحسن والقبح العقليين، على حساب الشق الأول منه، وهو حرية الأفعال. وإذا ما ثبت الوضع القديم إن كان فيه ضرر على الإنسان فكيف يحدث ذلك والتأليه منبع الخير؟ أما النفي فإنه تأكيد للحرية الإنسانية حتى ولو كانت في غير مصلحة الإنسان. فالفعل الحر المستقل نابع من إرادة الإنسان حتى ولو كان ضارا له. ويؤثر الإنسان فعلا حرا ضارا على فعل نافع من إرادة خارجية تعمل لصالحه.
11
وماذا لو رفض العقلاء اللطف ما دام العقل لديهم قادرا على الوصول إلى التكليف ومعرفة الصلاح والأصلح من العقل والسمع معا؟ إن افتراض أن يكون الله قد ادخر لطفا لمن علم أنه لا يؤمن حتى لا يؤمن تجويز للظلم على الله، ونفي لحرية الإنسان واختياره، وقضاء على عقله واستقلاله. فأفعال الشعور الداخلية مثل الإيمان والكفر أفعال حرة قائمة على العقل والتمييز.
12
فإن كان هناك أصلح وإن كانت لدى الله ألطاف أخرى لا نهاية لها يعطيها للبشر اختيارا، فلماذا ادخرها الله ولم يعطها حتى يكون العالم أفضل العوالم الممكنة وتغليبا للأصلح على الصلاح؟ ومتى يعطيها الله ومتى يهبها وطبقا لأي مقياس ولأي مدى؟ أليس في ذلك تدخل في الحرية الإنسانية التي أصبحت من قبل أحد مكتسبات العدل، والذي بدوره خرج من بطن التوحيد؟ وما الفائدة من لطف غير مستعمل، مجرد إثبات حق نظري، إثباتا للقدرة المطلقة؟ وقد تم ذلك من قبل في التوحيد، وفي العدل لا تحدث شيئا. إن مصلحة الفرد والجماعة ليست نعمة أو إحسانا أو تفضلا أو لطفا من أحد، بل نتيجة للجهد والمشقة والمعاناة. والأصل ضرورة موضوعية لا صلة لها بالعواطف المشخصة والانفعالات الذاتية والإكراميات شكرا وثناء، حمدا وتبجيلا. ولما كانت الشريعة تقوم على جلب المصالح ودرء المفاسد، فقد يأخذ السؤال صيغة الضرر ويكون: هل يقال إن الله يضر أم لا؟ فالإثبات يبقى إثبات القدرة المطلقة ونفي أية صفة من صفات العجز، وإلا كان هناك نقص في عواطف التأليه وبصرف النظر عن حقوق الإنسان وحياته أو ما ينتج عن إثبات هذه القدرة من طغيان ونفي للعدل وإثبات للطاغوت. وتكون الإجابة بالنفي دفاعا عن حقوق الإنسان وإثبات حقه في دفع الأضرار عن نفسه ومقاومة الظلم.
ولا يؤدي القول بالأصلح إلى رفض الآلام والمشاق الناتجة عن الأفعال؛ لأن الإنسان يفضل أن يركن إلى الكسل والراحة وحياة الدعة والسكون والتعب والنصب والجهد والألم والجرح. كل ذلك لا يمثل نقضا للصلاح والأصلح؛ فالذات تضع نفسها بالجهد وتثبت وجودها بالمقاومة. والغاية من بذل الجهد تحقيق الوجود الإنساني، والإنسان بلا جهد حر يتحول إلى ظاهرة طبيعية حتمية. وبالتالي إذا كان الله متفضلا بالثواب فكيف يجوز الجهد؟ ليس في فعل الأصلح أي جهد زائد أو كدر لا يتحمل، بل هو تأدية للدعوة وضرورة داخلية وأداء للرسالة. فعل الأصلح في حد ذاته فعل إيجابي وليس له أي جزاء آخر، إلا أنه في الحياة العملية كمال للإنسان.