تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5

الأصلح هو الأنفع بوجه عام، إذ يوصف الفعل بأنه نفع وسرور وصلاح وأصلح وليس مجرد لذة وألم أو نفع أو ضرر. هناك مراتب للصلاح والأصلح من حيث المستوى (للفرد أو للجماعة)، والشدة (اللذة والألم، النفع والضرر، الإصلاح والإفساد)، والزمن (الفناء والبقاء). ومن ناحية أخرى قد يقال إن التقيد بالأصلح يجعل أفعال الله متناهية في حين أن أفعاله لا متناهية؛ ومن ثم يؤدي القول بالصلاح والأصلح إلى الجبر في أفعال الله. وإذا كان الله يفعل تفضلا وكرما ولطفا، فاللطف بهذا المعنى نفي للصلاح والأصلح.

6

والحقيقة أن الأصلح هنا بالنسبة إلى الإنسان وليس بالنسبة إلى الله. وهو صلاح محدود في إطار الموقف الإنساني ولا يقلل من لا تناهي الصلاح بالنسبة إلى الله وقدرته عليه. ولو كان الصلاح رفع الموانع وإزاحة العلل لكان في ذلك قضاء على الحرية الإنسانية من جديد، إعطاء الصلاح بيد وسلب الحرية باليد الأخرى، خطوة إلى الأمام ثم خطوة إلى الخلف. وإذا كان الأصلح للناس عدم الحياة والابتداء من الآخرة مباشرة فإن ذلك إلغاء للدنيا ورفض للرسالة وترك لنعم الحياة والتحقق والعمل والإبداع والاستشهاد.

إن نفي الصلاح والأصلح هو هدم للعقل والقدرة على التمييز وإنكار لصفات الأشياء الموضوعية، وهو إنكار أيضا للمصلحة وهي أساس الشرع، وهدم لمصالح الفرد والجماعة وما به حياة الأمة وقوام الدولة. وبالتالي يترك الفرد والأمة بلا عقل مستقل قادر على التمييز وبلا إدراك للصالح العام، فيستسلم الجميع لإرادة الحاكم الفرد المطلق الذي يقرر بمحض إرادته ما هو الصلاح وهو بطبيعة الحال الأصلح له والأفسد للأمة. وقد ظهر ذلك في العقائد المتأخرة الموازية للنظم السياسية التي تقوم على سلطان الحاكم المطلق. وإذا كان خالق الأفعال المطلقة الشاملة للعدل خارجا عن الوجوب انقضى العدل، فالعدل والوجوب واجهتان لشيء واحد. إن هدم العقل والشرع هو هدم لكل قانون بما في ذلك قانون الاستحقاق وبالتالي يعيش الإنسان في عالم من الظلم أو من العبث ولا يجد أمامه إلا الاستسلام للحاكم المطلق، يفعل له ما يشاء؛ وينتهي الأمر كله عنده إلى الرضا بالأمر الواقع، فيرضى الفقير بفقره ويسر الغني بغناه، ويتحول العدل الإنساني إلى ظلم إلهي، ويعود العدل من جديد في بطن التوحيد.

7 (2) إثبات الصلاح والأصلح

إن فعل الصلاح والأصلح ليس قانونا صوريا أو فعلا مطلقا لإرادة خارجية، بل قانون مادي قائم على صلاح الإنسان والأصلح للأمة. ليس الإنسان هو الفرد الأوحد، بل الإنسان العام الذي لا يتغير بتغير الزمان والمكان. وليست مصالح الأمة هي الأمة الفريدة بل هم البشر في كل زمان ومكان. وهي حقيقة إنسانية تقوم على العقل والطبيعة؛ لذلك قام الوحي على المصلحة، وأصبح أساس التشريع درء المفاسد وجلب المصالح. إن اختيار إنسان للأصلح ضرورة مطلقة في النظر والعمل، في الوحي والتطبيق. المصلحة أساس الشرع، لا تعبر عن تكوين ذات مشخصة بقدر ما تعبر عن الحياة الإنسانية، لا تطبق على الله بل على الإنسان. والله بإنزاله الوحي يبغي مصلحة الإنسان كما يبغي مصلحته الخاصة. ولا يبغي الله مصلحة نفسه كما لا يبغي الإنسان مصلحة الله؛ فالمصلحة أساس علم الأصول بشقيه؛ علم أصول الدين وعلم أصول الفقه. الصلاح والأصلح هما إذن ضمن الواجبات العقلية مثل الخلق والتكليف وشكر المنعم، وأحد وسائل تنزيه الله عن فعل القبيح. وهي واجبات يتصورها الإنسان في الطبيعة بصرف النظر عن الذوات المشخصة، الإنسان أم الله. وإذا ما قيل إنها واجبات على الله، فإن ذلك يكون قياسا للغائب على الشاهد.

8

والشاهد هو التجربة الإنسانية أو تجارب الجماعة والتاريخ، وهي مصدر الحقيقة الإنسانية وحوامل المعاني. ولما كان فعل الأصلح مشاهدا في هذا العالم كان فعله أيضا في أي عالم آخر. وأن قسمة الأحكام إلى واجب ومندوب لا تعني نقصا في ضرورة الأصلح؛ فالمندوب لا يعني تمنيا وتفضلا، بل هو الأصلح المختار الذي يكشف عن حرية الإنسان في اختيار الأصلح. فالصلاح متفاوت الدرجات والإنسان يختار أعلاها لنفسه؛ لذلك كان فعل الصلاح لا ينافي تكافؤ الفرص لأنه اختيار إنساني. وإذا كان الله من خلال الوحي قد فعل الصلاح فإن الإنسان له حرية الاختيار في أن يزيده، وبالتالي يفعل الأصلح أو يقله فيفعل الأقل صلاحا.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ١٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ١٤٢