28
أما الجمع بين النفي والإثبات من أجل تنزيه التأليه عن الشر وإثبات الحرية الإنسانية للشر، فإنه أيضا يحد من القدرة المعظمة وفي الوقت نفسه ينفي الحرية الإنسانية للخير، ويوزع الخير والشر بين الله والإنسان.
29
وتتوالى الحلول المتوسطة إلى أن تصبح أقرب إلى نفي القدرة على فعل القبيح وبالتالي نفي القدرة على الظلم باعتباره المثل الصارخ على القبح. وتصبح الغاية من نفي القدرة على فعل القبيح هو تنزيه الله عن فعل الظلم؛ وبالتالي يبلغ أصل العدل قمته في نفي نقيضه وهو الظلم. فبعد تدخل القدرة الإلهية في مواجهة الفعل الإنساني لإثبات عظمتها وسيطرتها عليه انتقلت إلى العدالة الإنسانية لإثبات قدرتها على قلبها وتغييرها إلى الضد؛ ومن ثم ظهر السؤال بوضوح: هل يوصف الله بالقدرة على الظلم؟ فإذا كان الرد بالإيجاب تتحول القدرة إلى شبح مخيف يقضي على المبادئ الإنسانية العامة التي تماثل صفات الله المطلقة. تنفرد صفة وهي القدرة تصول وتجول في باقي الصفات كالعدل، وعلى آثار العدل في الحرية الإنسانية مثل العدالة. ويكون الطريق إلى التنزيه هو إثبات القدرة على فعل الضد. ولما كان الضد على الإنسان، فإنه لا يستعصي على القدرة المعظمة. أما الرد بالنفي فإنه حد لهذه القدرة في مواجهة العدل. ويأتي هذا الحد من داخل القدرة ذاتها؛ فهي قدرة تقوم على الحكمة والرحمة والعقل والعلم وتظهر في الطبيعة ولا توجب الحدث. وقد تكون مجرد افتراض نظري أو تمن يعبر عنه بأداة الشرط «لو»، ثم يصل الأمر إلى نفي القدرة الإلهية علانية حرصا على العدل الإنساني.
فقد يكون السبب في حد القدرة هي الحكمة استنكافا من تعبير عدم القدرة وهو أخف من القول بالعجز. وقد تشفع الحكمة بالرحمة كي تصبح حكمة عملية أو بالعقل لتصبح حكمة نظرية. فالله يقدر على الظلم ولكنه لا يفعل لحكمته ورحمته، وهما صفتان للذات، ويقدر على الظلم ولكن العقل يدل على أنه لا يفعل.
30
وقد يكون قادرا على ظلم الأطفال والمجانين دون العقلاء. وذلك يعني أن العقل قدرة على مقاومة الظلم والدفاع عن العدل. وهو الضامن للقيم والحارس لحقوق الإنسان. ولا مكان لضعاف العقول ولا للأغبياء في هذا العالم. ومع ذلك فإن هذا التصور لا يجعل العدل صفة ذات بل مجرد صفة فعل متغير متقلب طبقا لأحوال الناس، وكأن الله ينتهز الفرصة ليظلم الضعاف والصبية والمجانين ويكذب عليهم؛ وبالتالي يحملهم ما لا طاقة لهم به خاصة وأن مسئولياتهم عن أوضاعهم التي هم عليها محدودة؛ فصغر السن والضعف الجسماني والمرض النفسي يمنع من وقوع الأفعال الواعية الحرة. كما أن ذلك ليس من شيمة العظماء؛ استضعاف الناس والخوف من الأقوياء.
31
وقد لا يوجد أي حرج في القول صراحة بأن الله لا يقدر على فعل القبيح بالرغم مما في التعبير من نيل من إطلاق القدرة. فقد لا يفعل الله القبيح لعلمه أنه قبيح؛ ومن ثم فلا يختار فعله على أي وجه. ينفي القبح من أجل العلم. فالله قادر على فعل ما علم أنه يفعله ولا يقدر على فعله ما علم أنه لا يفعله.
32
والحقيقة أن ذلك تناقض لأنه كيف يقدر الله على ما لا يعلم؟ إن عدم القدرة يحتاج إلى علم وهو غير موجود. كما أن جعل القدرة تابعة للعلم هو جعل العلم أعلى من القدرة. والصفات متساوية في الإطلاق والشمول. ولا يحل الإشكال إلا بجعل القدرة تابعة للعلم. وفي هذه الحالة تكون القدرة مشروطة، وما دامت مشروطة فهي مقيدة، وفي كل الأحوال يمكن فهم ذلك. فلإنسان مع العلم وكمال العقل لا يفعل القبيح ولا يقع منه التشويه. وفعل القبيح نقص وذم. كما يفعل الإنسان الحسن لذاته كما يفعل الفنان أو الصوفي أو المثالي. هو فعل يتصف به المتطهرون أو من يود الإعلان عن الطهارة بإلصاقها بالذات المشخص ووصف أفعاله من خلالها.