ويرجع السؤال القديم في التوحيد: هل الله قادر على ما علم أنه لا يكون؟ هل يجوز كون ما علم الله أنه لا يكون؟ ويعاد طرحه هذه المرة في العدل على المستوى الإنساني الخالص: هل الإنسان قادر على ما علم الله أنه لا يكون؟ والرد بالنفي إثبات لعجز الإنسان أمام علم الله وقدرته، وهو المطلوب. في حين أن الرد بالإيجاب إثبات للقدرة الإنسانية على أنها مصدر لتكوين الأشياء.
33
والحقيقة أن السؤال يضعه الذهن أمام الشعور حتى يستطيع الشعور أن يجد فرصة لديه للتعبير عن عواطف التأليه، خاصة إذا كان السؤال حادا يسمح بنبرة عالية في الرد. وإذا كان الذهن هنا يعارض القدرة بالعلم فهل تستطيع القدرة أن توجد ما قرر العلم عدم وجوده؟ بالرغم من أن السؤال يحتوي على تناقض داخلي وهو العلم بما لا يكون أو كون ما لا يعلم، وبالرغم من أنه يحتوي على نقص في عواطف التأليه، إذ كيف تكون صفتان مطلقتان مثل القدرة والعلم متعارضتين إلا أن الذهن يقدمه كي يسمح للشعور بالتمرين وإظهار مدى انفعاله بالتأليه. والرد بالإيجاب يثبت عظمة القدرة على حساب العلم على ما في ذلك من نقص في عواطف التأليه بالنسبة إلى العلم. بل تكمن خطورته في تثبيت العقلية الغيبية والإيحاء بأنه يمكن العلم بشيء غير موجود أو إيجاد شيء بلا علم. وهو السؤال نفسه: هل خلاف المعلوم مقدور؟ وقد ينشأ حل متوسط يجمع بين الإثبات والنفي، يثبت القدرة على الإمكانية؛ إمكانية كون ما علم أنه لا يكون ولكنه ينفي وقوع ذلك بالفعل.
34
وقد توجد حلول متوسطة أخرى خارج أصلي التوحيد والعدل، والسبق إلى السمعيات أو بالعودة إلى المقدمات النظرية الأولى في الطبيعيات واللغويات. يقال مثلا إن الله لو فعل القبيح لجاز أن يبعث رسولا كاذبا ويظهر المعجز على يديه ليدعوهم إلى الضلال والكفر. والمعجزة دلالة تصديق.
35
وقد يمنع الظلم إذا ما وصلت القدرة إلى الطبيعة والأجسام وأصبحت هذه معراة عن العقول واستحال الوصول إلى الذات من الطبيعة وإلى إثبات وجود الله ابتداء من العالم على ما هو معروف في نظرية الوجود في المقدمات النظرية.
36
فكما أن الحرية الإنسانية قادرة على مقاومة القدرة الإلهية فإن قوانين الطبيعة عليها أقدر. وحتى لو استطاعت القدرة الإلهية فعل الظلم فإن ذلك لا يوجب حدث الأجسام وتظل الأجسام باقية ثابتة. وتبلغ قمة مقاومة الطبيعة وإثبات استحالة اختيار الجور في القول بالطباع وبشمول المبادئ الإنسانية من أجل نفي القدرة على الظلم. وإذا دل الدليل على أن الله يظلم فإن الله يظل متعاليا ليقين أنه لا يظلم.
37
وقد يمنع القبح والظلم من أفعال الله لأن السؤال يظل افتراضا خالصا. كما أن أداة الشرط «لو» لا تدل على الشك؛ الشك في العدل، بل على اليقين؛ اليقين بعدم الظلم.
38
وقد يكون نفي القدرة على الظلم واجبا دون أن يقال «لا يقدر»، أي الاعتراف بالظلم دون إصدار حكم على نفي القدرة.
39
وفي حالة اليأس تلغى المتاهة العقلية بالتوقف المطلق.
40
وقد يأتي الحل الأخير بكل قوة وشجاعة لا خلاف في ذلك بين الأشعري ذاته وبعض المعتزلة والإعلان صراحة على أن الله لا يقدر على فعل الظلم. إذ لا يجوز أن يوصف الله بالقدرة على الكذب أو الحركة أو الجهل، إما لصفة في القديم أو لصفة ترجع إلى المقدرة أو لبعض الأدلة لاستحالة كون المقدور مقدرا أو لأن ذلك ينقص أصلا من أصول التوحيد والعدل.
41
وقد يكون الدافع لذلك الإيمان وشناعة القول بأن الله يقدر على الظلم والتضحية بالقدرة وبأن الله قادر على كل شيء حتى يصل الأمر إلى افتراض الجبر في الله وتحديد قدرته، وبالتالي ينقلب الجبر في أفعال الإنسان إلى جبر في أفعال الله. وقد يكون الدافع هو التصور الجبري للعالم؛ نظرا لنظام الكون الثابت على ما هو معروف في علوم الحكمة. وقد يكون الدافع هو إثبات الصفات الذاتية للأشياء وبالتالي يفرض الموضوع نفسه على الإرادة. وبالتالي تكون استحالة القدرة على الظلم دفاعا عن الإنسان عملا بصرف النظر عن الحق النظري الواجب للذات المشخص. ويكون الرد على السؤال بالنفي إثباتا للتنزيه وللصفات المطلقة وعلى رأسها العدل الإلهي كما أنه يحفظ المبادئ الإنسانية العامة وعلى رأسها العدالة دون أن يكون في ذلك إلحاد فلسفي أو كفر مجوسي.